ضمن سلسلة في التربية والبناء : مذاهب فكرية معاصرة – الدين والكنيسة والنظريات العلمية – قام بالتلخيص والمراجعة – الشيخ حسام عبد الرؤوف حفظه الله

شارك هذا الموضوع:

ضمن سلسلة في التربية والبناء : مذاهب فكرية معاصرة 

الدين والكنيسة والنظريات العلمية – قام بالتلخيص والمراجعة – الشيخ حسام عبد الرؤوف حفظه الله

في هذا الكتاب:

التمهيد الأول: الدين والكنيسة نبذة تاريخية

أولا: تحريف الدين

ثانيا: طغيان الكنيسة ورجال الدين

ثالثًا: فساد رجال الدين

رابعًا: الرهبانية وفضائح الأديرة

خامسًا: مهزلة صكوك الغفران

سادسًا: محاكم التفتيش

سابعا: مساندة الكنيسة للظلم السياسي والاقتصادي والاجتماعي

المتمثل في الإقطاع

التمهيد الثاني: دور اليهود في إفساد أوربا

3- النظريات العلمية:

داروين ونظرية التطور – كارل ماركس – سيجموند فرويد – إميل دور كايم

2- واقع المجتمع الصناعى

تقدمة القائم بالتلخيص

الشيخ حسام حفظه الله

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛

ثم أما بعد؛

فما أشد غربة المؤمنين في زماننا عقديا وتشريعيا وعلميا وثقافيا واجتماعيا؛ حيث أصبح المنكر معروفاً والمعروف منكرًا، وكثر الرويبضة، وعمَّ الجهل بأبسط قواعد الدين، وانتشر الفساد والدَّاعِين والدَّاعِمين له.

ولعل من أبرز مظاهر انتشار الجهل والفساد بالدين هو تلبيس أحكام الشريعة المطهرة التي تعتمد على الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة الربانيين، بالأفكار والمذاهب والمعتقدات الجاهلية التي أنشأها ورَوَّج لها أساطين الكفر والإلحاد من الصليبيين واليهود ومن على شاكلتهم، حتى أنَّ هناك من يحاول أن يوجد علاقة ما – ولو كانت تخالف العقل والمنطق – بين شريعة الرحمن وشريعة الشيطان من أنظمة حكم ومذاهب فكرية وسياسية واجتماعية فيطلق على أحكام الشريعة وعلى الأفكار والنظريات التي سطرها علماء المسلمين بدمائهم؛ يطلق عليها ألفاظًا لا تَمِتُّ للواقع بصلة كـ”الديمقراطية الإسلامية” أو “الاشتراكية الإسلامية”!!

في الوقت الذي اشتدت فيه حملات الهجوم على الشريعة وأحكامها وبلغت أوجها بالتشكيك في عدالتها واتهامها بالتفرقة بين الرجال والنساء في الأحكام، والمطالبة بتوحيد معاملة الجنسين على قدم المساواة في كُلِّ شَيْءٍ؛ وتطبيق النُّظُمِ الدولية من اشتراكية ورأسمالية وديمقراطية لتنطلق الأمة وتصل لمصاف الدول المتقدمة والحضارة الغربية المتمدنة!

ولقد كان من أبرز العلماء والكُتَّاب المعاصرين الذين خبروا تلك القضايا وقتلوها بحثاً وتحليلًا وفضحاً وكشفاً لسوءاتها خاصة قضايا: الديمقراطية والرأسمالية والعلمانية؛ تلك الآلهة التي صار مفروضًا على الأمميين عبادتها من دون الله؛ الشيخ محمد قطب رحمه الله، ومن قبله شقيقه الأكبر شهيد الإسلام العظيم الشيخ سيد قطب. لذا فقد حاولت تقريب كتبهما التي تفضح النظم الجاهلية عمومًا ونظم الحكم الاستبدادية الطاغوتية التي تحكم كل بلاد المسلمين على وجه الخصوص، وكذلك “مرجئة العصر” من علماء السُّوء والسُّلطان الذين يُرَوِّضون الشعوب ويذللونها ليركب على ظهورها كل ملحد ومارق وزنديق.

ولهذا كانت هذه المراجعات لكتب الشيخين رحمهما الله ومحاولة تقريبها للمجاهدين والناشئة وعامة المسلمين فكان اختيار الكتب التالية كدفعة أولى:

هذا الدين.
معالم في الطريق.
مذاهب فكرية معاصرة (الجزء الأول). وهو الكتاب الذي بين يديك.

والبقية تأتي بإذن الله إن كان في العمر بقية؛ ويَسَّرَ الله سبحانه وتعالى بفضله وكرمه ومنَّ علينا بالصِّحَّةِ والأمان.

والحمد لله رب العالمين.                                                         حسام عبد الرؤوف

مقدمة الشيخ محمد قطب رحمه الله:

تسيطر اليوم أوروبا(1) بكل قوتها على العالم كله؛ ومع السَّيْطرة تتسرب مجموعة من الأفكار والمذاهب والمعتقدات، بل الخرافات كذلك -كخرافة الطبيعة الخالقة، والمادة الأزلية الأبدية المتطورة- فتنصب في أذهان الشعوب التي غلبت عليها أوروبا، إما عن طريق التسرب التلقائي الذي ينشأ من تقليد المغلوب للغالب، وإما عن طريق الغزو الفكري المتعمد، الذي يبثه الغالب في فكر المغلوب ليضمن تبعيته له وعدم خروجه على طاعته.
ولم تكن سيطرة أوروبا -بكل قوتها- هي السَّبب الوحيد في الحقيقة لهذا التَّسرب التلقائي أو ذلك الغزو الفكري، إنما كان هناك سبب لا يقل أهمية عن هذه السيطرة إن لم يكن -في نظرنا- أهم، هو غياب البديل الذي يمكن أن يأخذ مكان هذه الأفكار والمذاهب والخرافات إذا تبين عدم جدارتها بالاتباع، بل الذي يحول أصلاً دون التوجه إليها واتباعها في حالة وجوده، ونعني به الإسلام. ذلك أن غيابه يعطي هذه المذاهب والأفكار في نفوس الناس حجية الأمر الواقع وثقل الأمر الواقع، أي: إنها تصبح في حِسِّ الناس جديرة بالاتباع لا لجدارتها الذاتية، ولا لأنها في ذَاتِهَا صحيحة، ولكن فقط لأنها موجودة بالفعل، والبديل غير موجود!

ولن نتعرض في هذا الكتاب لأسباب غياب هذا البديل. ولا للنتائج الخطيرة التي نتجت عن غيابه بالنسبة للمسلمين وبالنسبة للعالم كله(2). إنَّما أردنا في هذا الكتاب أن نتعرض لهذه الأفكار والمذاهب ذاتها، فنعرضها عرًضا موضوعيَّاً نبين فيه ما تحتوي عليه من حقائق وما تحتوي عليه من أباطيل، ونبين فيه أهم من ذلك الظروف التي أدت إلى نشأتها وتشكلها على هذه الصُّورة، فإنَّ كثيرًا من الناس الذين يأخذونها على أنها أمر واقع، لا يسألون أنفسهم كيف نشأت، وما الظروف التي جعلتها تأخذ هذه الصُّورة؟ كأنَّهم يعتقدون -من ثقلة الأمر الواقع على حسهم- أنَّها ذات وجود طبيعي، وأنَّ الصُّوْرَة التي هي عليها هي الصُّوْرَة الطبيعية لهذا المذهب أو ذاك، ولا يضعون في حسابهم أنَّ ظروفا محلية بحتة في أوروبا هي التي جعلت الفكر الأوروبي يتجه هذه المتجهات، ويسلك هذه المسالك، وأنَّه لو كانت هناك ظروف مختلفة، لاعتنقت أوروبا أفكارًا أخرى ومذاهب من نوع آخر.
بعبارة أخرى إنَّ هذه الأفكار والمذاهب هي انعكاس لظروف محلية بحتة في أوروبا، وليست كما هي في حس الأوروبيين ومن يدور في فلكهم من الشعوب المغلوبة “قِيَمَاً” قائمة بذاتها، ولا أفكارًا “إنسانية” تنبع نبعًا ذاتيًا من كيان “الإنسان” بوصفه إنسانا. ولم يكن من الحتم أن تعتنقها أوروبا ذاتها -لو أتيحت لها ظروف أفضل- وليس من الحتم أن يعتنقها أحد في خارج أوروبا ما دامت ظروفه غير ظروف القوم هناك.
وهذا الكتاب لم يُكْتَبْ للمسلمين وحدهم، وإن كان المسلمون يستطيعون أن يفيدوا منه مزيدا من المعرفة بدينهم، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “إنَّمَا تُنْقَضُ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً إذَا نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ الْجَاهِلِيَّةَ!” فمعرفة المسلمين بانحرافات الجاهلية المعاصرة تزيدهم معرفة بكمال الدين المُنَزَّل من عند الله.
ولكني كتبته لكل من يرغب أن يعرف شيئًا عن هذه المذاهب المنتشرة في الأرض اليوم، وأسباب نشأتها وتَشَكُّلِها على هذه الصورة ولم أقصد به أن يكون دراسة متخصصة، ولكني حاولت أن أضع فيه القدر المناسب من المعلومات، الذي يلقي ضوءًا معقولًا على هذه المذاهب والأفكار.

ولم أتحدث عن كل المذاهب المعاصرة، فلم يكن قصدي الاستقصاء، إنَّما عرضت لأبرز هذه المذاهب وأكثرها انتشارًا في عالمنا المعاصر، فاخترت منها: الديمقراطية والشيوعية والعلمانية والعقلانية والقومية والوطنية والإنسانية والإلحاد.

فإن كنت قد قصرت فيما بذلت من الجهد فهذا هو العجز البشري. وإن كنت قد وفقت فمن الله التوفيق.

                                                                                                   محمد قطب

__________
1 ليس المقصود بأوروبا حدودها الجغرافية، إنما المقصود “الغرب” كله بامتداده الأمريكي والروسي على السواء.

2 في النية إصدار كتاب في هذا الموضوع بعنوان “واقعنا المعاصر”.

التمهيد الأول: الدين والكنيسة نبذة تاريخية

أولا: تحريف الدين

لم تعرف أوروبا قط دين الله المُنَزَّل على حقيقته الرَّبَّانية؛ إنَّما عرفت صورة محرفة من صنع الكنيسة الأوروبية لا صلة لها بالأصل المُنَزَّل، الذي أُرْسِلَ المسيح ليبلغه لبني إسرائيل: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} (1).
وإذا استثنينا أفرادًا قلائل، متناثرين على طول التاريخ المسيحي من بعثة عيسى عليه السلام إلى بعثة الرَّسول صلى الله عليه وسلم فإنَّ الجماهير الأوروبية ظلت تستقي دينها من رجال الدِّينِ من البابوات والكرادلة، ومن المجامع المقدسة وشُرَّاح الأناجيل المحرفة، وتعتبرهم مرجعا لا يرقى إليه الشَّكُّ؛ ولا يجوز أن يُنَاقَش! فاتخذوهم -على الحقيقة لا على المجاز- أربابًا من دون الله:
{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (2).
وفي القرون الثلاثة الأولى من ميلاد المسيح عليه السلام كان الأباطرة وثنيين لا يؤمنون بدين مُنَزَّل، فكانوا يضطهدون النَّصارى من صَحَّ اعتقاده منهم ومن انْحَرَفَ وحَرَّف، يسومونهم سوء العذاب، ويشردونهم في الأرض، حتى اتخذ فريق منهم الأديرة والملاجئ في أطراف الأرض فرارًا من العذاب.
وفي القرن الرابع تغير الأمر حين اعتنق الإمبراطور قسطنطين المسيحية وفرضها على الإمبراطورية. ولكن الدِّينَ الذي فرضه قسطنطين هو -باعتراف المؤرخين والمفكرين الغربيين أنفسهم- شيءٌ آخر غير الدِّين الذي بَشَّرَ به المسيح عليه السلام.
يقول درابر الأمريكي في كتابه “الدِّين والعلم”:
“ودخلت الوثنية والشِّرْكِ في النَّصْرَانية بتأثير المنافقين الذين تقلدوا وظائف خطيرة، ومناصب عالية في الدولة الرومية بتظاهرهم بالنصرانية. ولم يكونوا يَحْفُلُون بأمر الدِّينِ، ولم يخلصوا له يوما من الأيام. وكذلك كان قسطنطين فقد قضى عمره في الظلم والفجور، ولم يتقيد بأوامر الكنيسة الدينية إلا قليلًا في آخر عمره “سنة 337م”.
“إنَّ الجماعة النَّصرانية، وإن كانت قد بلغت من القوة بحيث ولت قسطنطين الملك، ولكنها لم تتمكن من أن تقطع دابر الوثنية وتقتلع جرثومتها.
وكان نتيجة كفاحها أن اختلطت مبادئها، ونشأ من ذلك دين جديد، تتجلى فيه النصرانية والوثنية سواءٌ بسواءٍ. هنالك يختلف الإسلام عن النصرانية إذ قضى على منافسه “الوثنية” قضاءً باتًا، ونشر عقائده خالصة بغير غبش.
“وإن هذا الإمبراطور الذي كان عبدًا للدُّنيا، والذي لم تكن عقائده الدينية تساوي شيئًا، رأى لمصلحته الشَّخصية، ولمصلحة الحزبين المتنافسين -النصراني والوثني- أن يوحدهما ويؤلف بينهما، حتى إنَّ النَّصارى الرَّاسخين أيضا لم ينكروا عليه هذه الخطة. ولعلهم كانوا يعتقدون أن الدِّيانَة الجديدة ستزدهر إذا طُعِّمَتْ ولُقِّحَتْ بالعقائد الوثنية القديمة! وسيخلص الدِّين النَّصراني عاقبة الأمر من أدناس الوثنية وأرجاسها(3).
ويقول “فيشر” المؤرخ الإنجليزي:
“إن حكمة الكنيسة المسيحية هَدَتْ آباءها الأولين إلى قبول ما لم يستطيعوا له منعًا من قديم العادات والتَّقاليد والمعتقدات”!! “بدليل استقبال الكنيسة لمبدأ تعدُّد الآلهة الرَّاسخ بين شعوب البحر الأبيض المتوسط، وتطويع ذلك المبدأ لما تقتضيه عقائدها(4).
ويقول “رينان” الفيلسوف الفرنسي:
“إنه ينبغي لفهم تعليم يسوع المسيح الحقيقي كما كان يفهمه هو أن نبحث في تلك التفاسير والشُّرُوح الكاذبة التي شَوَّهَت وجه التعليم المسيحي حتى أخفته عن الأبصار تحت طبقة كثيفة من الظلام. ويرجع بحثنا إلى أيام بولس الذي لم يفهم تعليم المسيح بل حمله على محمل آخر ثُمَّ مزجه بكثير من تقاليد الفِرِّيسيين وتعاليم العهد القديم. وبولس كما لا يخفى كان رسولًا للأمم، أو رسول الجدال والمنازعات الدينية، وكان يميل إلى المظاهر الخارجية الدينية كالختان وغيره، فأدخل أمياله هذه على الدِّينِ المسيحي فأفسده. ومن عهد بولس ظهر التَّلمود المعروف بتعاليم الكنائس. وأمَّا تعليم المسيح الأصلي الحقيقي فخسر صفته الإلهية الكمالية، بل أصبح إحدى حلقات سلسلة الوحي التي أولها منذ ابتداء العالم وآخرها في عصرنا الحالي، والمستمسكة بها جميع الكنائس، وإن أولئك الشُّرَّاح والمفسرين يدعون المسيح إلهًا دون أن يقيموا على ذلك الحُجَّة، ويستندون في دعواهم على أقوالٍ وردت في خمسة أسفار: موسى والزَّبُور، وأعمال الرسل ورسائلهم، وتآليف آباء الكنيسة، مع أن تلك الأقوال لا تدُلُّ أقل دلالة على أن المسيح هو الله”(5).
ويقول “برنتن”:
“إنَّ المسيحية الظافرة في مجمع نيقية -وهي العقيدة الرَّسمية في أعظم إمبراطورية في العالم- مخالفة كل المخالفة لمسيحية المسيحيين في الجليل(6) ولو أنَّ المرءَ اعتبر العهد الجديد التعبير النِّهائي عن العقيدة المسيحية لخرج من ذلك قطعًا لا بأنَّ مسيحية القرن الرَّابع تختلف عن المسيحية الأولى فحسب، بل بأنَّ مسيحية القرن الرابع لم تكن مسيحية بتاتا”(7).

ويقول المؤرخ الإنجليزي “ويلز”:
“وظهر للوقت معلم آخر عظيم يَعُدُّه كثير من الثقات العصريين المؤسس الحقيقي للمسيحية وهو شاول الطرسوسي أو بولس. والرَّاجح أنه كان يهودي المولد، وإن كان بعض الكُتَّاب اليهود ينكرون ذلك، ولا مراء في أنَّه تعلم على أساتذة من اليهود بَيْدَ أنَّه كان متبحرًا في لاهوتيات الإسكندرية الهلينية. وهو متأثر بطرائق التعبير الفلسفي للمدارس الهلنستية، وبأساليب الرواقيين، كان صاحب نظرية دينية ومعلما يعلم الناس قبل أن يسمع بيسوع الناصري بزمن طويل. ومن الرَّاجح جدًا أنَّه تأثر بالمثرائية إذ هو يستعمل عبارات عجيبة الشبه بالعبارات المثرائية. ويتضح لكل من يقرأ رسائله المتنوعة جنبا إلى جنب مع الأناجيل أن ذهنه كان مشبعا بفكرة لا تظهر قط بارزة قوية فيما نقل عن يسوع من أقوال وتعليم، ألا وهي فكرة الشخص الضحية الذي يقدم قربانا لله كفارة عن الخطيئة. فما بشر به يسوع كان ميلادا جديدا للروح الإنسانية. أما ما علمه بولس فهو الديانة القديمة. ديانة الكاهن والمذبح وسفك الدماء لاسترضاء الإله(8).
__________
1 سورة آل عمران “49”.
2 سورة التوبة “31”.

3 نقلا عن كتاب “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين” للسيد أبي الحسن الندوي.

4 تاريخ أوروبا في العصور الوسطى ج1 ص8.
5 عن “محاضرات في النصرانية” للشيخ محمد أبو زهرة ص215، وواضح أن رينان قد ركز على نقطة الفساد الحقيقية في تعاليم الكنيسة وهي تأليه المسيح، ولكنه خلط بها مسألة الختان وغيرها مما سماه “مظاهر خارجية” ولم تكن مسألة الختان التي عجزت الكنيسة عن تطبيقها هي التي أفسدت المسيحية -وهي من تعاليم إبراهيم عليه السلام التي تلقاها من الوحي- إنما كانت مسألة التثليث وتأليه عيسى عليه السلام.

6 أي: المسيحية الأولى كما جاء في كلام الكاتب بعد ذلك.

7 كتاب “أفكار ورجال” تأليف جرين برنتن وترجمة محمود محمود ص207 من الترجمة العربية.
8 معالم تاريخ الإنسانية ج3 ص705.

وتكفينا هذه الشهادات من مؤرخي الغرب ومفكريه، لندرك مدى التحريف والتشويه الذي أدخله بولس والمجامع المقدسة من بعده على العقيدة الصحيحة التي جاء بها رسول الله عيسى ابن مريم عليه السلام.
{وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (1)صدق الله العظيم.
على أن التحريف الذي وقع في العقيدة من جعل الإله الواحد ثلاثة أقانيم، وتأليه عيسى عليه السلام وادعاء بنوته لله تعالى، وتأليه مريم وروح القدس جبريل عليه السلام، واختراع قصة الصَّلب والفداء، وعبادة الصليب وعبادة التماثيل والأوثان إلخ…. إلخ. هذا التحريف على بشاعته لم يكن هو التحريف الوحيد الذي أدخلته الكنيسة والمجامع المقدسة على دين الله المنزل، بل أضافت الكنيسة انحرافا آخر لا يقل سوءا ولا تشويها للدين المنزل من عند الله، وذلك بعزل العقيدة عن الشريعة واتخاذ الدين عقيدة فقط، وترك القانون الروماني يحكم الحياة.
إن الدين المنزل من عند الله كان دائما عقيدة وشريعة في ذات الوقت: عقيدة في الله الواحد الفرد الصمد، الذي لا شريك له ولا ولد، وتنظيمات تنظم حياة الناس في الأرض في إطار أوامر الله ونواهيه.
فأمَّا العقيدة فقد جاءت واحدة في جميع الرِّسالات السَّمَاوية لأنها -بطبيعتها- غير قابلة للتغيير ولا التبديل. فالله سبحانه واحد. وكل الرسل المرسلين من عند الله جاءوا بعقيدة التوحيد -عقيدة الحق- فقالوا لأقوامهم كما يحكي القرآن الكريم عنهم: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}. وأمَّا الشريعة وما تحويه من تنظيمات فقد تغيرت -بحسب أحوال الأقوام الذين أرسل المرسلون إليهم، وانحرافاتهم الخاصة التي كانوا واقعين فيها حتى اكتمل الدِّين في الوحي المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم نزل قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا}(2) ولكنها -أي: الشريعة- كانت دائما هناك! كانت موجودة في كل رسالة أنزلت على رسول من رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم جميعا.

وقد أشار القرآن إلى بعض تفصيلاتها في مثل قوله تعالى:
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ(3) وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ، وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ، قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ(4)} (5).
وقوله: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}(6).
وقوله: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ}(7).
__________
1 سورة المائدة: 116، 117.

2 سورة المائدة: 3.
3 هذه خاصة بالعقيدة.
4 وهذه تتعلق بالشريعة وكلتاهما متصلة بالصَّلاةِ التي يصليها شعيب لله كما هو واضح من استنكار القوم.
5 سورة هود: 84-87.
6 سورة الشعراء: 123-131.
7 سورة الشعراء: 160-166.

وما كانت الرسالة المنزلة على عيسى ابن مريم بدعا من الرِّسالات في هذا الشأن. بل ينص القرآن الكريم نصَّاً صريحا على أنَّ عيسى ابن مريم جاء مصدقا لما بين يديه من التَّوْرَاة -وهي حافلة بالتَّشْرِيعات التفصيلية في كثير من شئون الحياة- ولِيُحِلَّ لبني إسرائيل بعض الذي كان قد حُرِّم عليهم من باب العقوبة على ما اجترحوا من السيئات:
{وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} (1).
كما ينص على أنَّ الله جعل لِكُلِّ أُمَّةٍ شرعةً ومنهاجًا، وأمر كل قوم أن يحكموا بمقتضى الشرع الذي نزل عليهم وإلا فهم كافرون وظالمون وفاسقون، حتى يأتي الرسول الأخير صلى الله عليه وسلم فيحتكموا جميعًا إلى شريعته.
{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}؟!(2).
ورغم أن وجوب تحاكم النَّصارى إلى ما جاء في التَّوْراة والإنجيل من تشريعات واضح تمام الوضوح في الكتب المتداولة بين أيديهم بالرغم من كل ما حدث فيها من تحريف، فإنَّ الكنيسة زعمت أنَّ القانون الرُّوماني -قانون قيصر- له شرعية تبيح اتباعه وهو يحكم بغير ما أنزل الله، ونسبت هذا الزَّعم إلى السيد المسيح، كما نسبت إليه من قبل أنَّه قال: إنَّه إلَهٌ وإنَّه ابن الله.. سواء بسواء!
جاء في أناجيلهم هذه القصة: “ذهب الفِّرِّيسِيُّون وتشاوروا لكي يصطادوه “أي: السيد المسيح” بكلمة، فأرسلوا إليه تلاميذهم مع الهيرودوسيين قائلين: يا معلم! إنَّك صادق وتعلم طريق الله بالحق ولا تبالي بأحد؛ لأنك لا تنظر إلى وجوه الناس فقل لنا ماذا تظن؟ أيجوز أن تعطي جزية لقيصر أم لا؟ فعلم يسوع خبثهم وقال: لماذا تجربونني يامراءون؟ أروني معاملة الجزية. فقدموا له دينارًا فقال لهم: لمن هذه الصورة والكتابة؟ قالوا له: لقيصر! فقال لهم: أعطوا إذن ما لقيصر لقيصر وما لله لله! فلمَّا سَمِعُوا تعجبوا وتركوه ومَضَوْا”(3).
وليس لنا من سبيل إلى الجزم في أمر هذه القصة، هل حدثت بهذه الصورة أم بغيرها أم لم تحدث على الإطلاق. وإنَّ كنَّا أقرب إلى الشَّكِّ فيها مِنَّا إلى إثباتها. ولكنَّا نفترض جدلًا أن القصة حدثت على هذا النَّحو، وأنَّ المسيح تكلم بهذه الألفاظ، فهل يمكن أن يكون قصده منها هو إعطاء الشَّرْعِيَّة لأمر قيصر الذي لا يؤمن بالله ورسوله ولا يتحاكم إلى شريعة الله، وقسمة شئون الحياة بين قيصر وبين الله سبحانه وتعالى؟! بحيث يكون لقيصر نطاق يتصرف فيه على هواه ويطاع فيما يأمر به، وتكون بقية الشئون -التي لا يهتم بها القيصر- هي النطاق المتروك لله؟!
وما الشِّرْكُ إذن في أجلى صوره (إن لم تكن هذه الصورة)؟! إن هذا المعنى يستحيل أن يخطر في بال المؤمن العادي الذي يؤمن بـ”لا إله إلا الله”. فكيف بنبي مرسل من عند الله؟!
إنَّ أقصى ما يمكن أن تَدُلَّ عليه القصة -على فرض صحتها جدلا- أنَّ المسيح عليه السلام يقول لهم: إنَّنا لم نؤمر الآن بقتال قيصر، فإذا فرض عليكم الجزية -ولا قِبَل لكم اليوم بِرَدِّ سطوته عنكم- فادفعوا له الجزية حتى يأتي اليوم الذي يؤذن لكم فيه بالقتال لإخضاع قيصر لشريعة الله. وهذا كما قيل للمؤمنين في مكة: {كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} (4) حتى جاءهم الإذن بالقتال في قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}(5) ثُمَّ جاء الأمر بالقتال لإخضاع الأرض كلها لشريعة الله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ}(6).

__________

1 سورة آل عمران: 50.
2 سورة المائدة: 44-47.

3 إنجيل متى 23: 14-23.
4 سورة النساء: 77.

5 سورة الحج: 39.
6 سورة الأنفال: 39.

الخلاصة:

حين يستعرض الإنسان هذا التاريخ الحافل بالمخازي والخطايا والأخطاء.. من طغيان روحي وفكري ومالي وسياسي وعلمي، وفساد خلقي، وانحراف فكري وسلوكي، ومساندة للظلم في جميع ألوانه، وتخذيل للمصلحين وتخدير للمظلومين، وصد عن سبيل الله، وتشويه لصُوْرَةِ الدِّينِ.. هل نعجب من النهاية التي وصلت الأمور إليها من انْسِلاخ الناس في أوروبا من ذلك الدِّينِ ونفورهم منه، وثورتهم على رجاله وإبعادهم له عن كل مجالات الحياة؟
إنَّ الفطرة البشرية لتثور على الظلم وتمجه ولو احتملته عِدَّة قرون!
وهذا البطء في قيام رد الفعل هو الذي يغري الطغاة بالاستمرار في طغيانهم، ظانين أنَّ الأمور سَتَظَلُّ في أيديهم أبدًا، وأنَّها غير قابلة للتغيير. ولكن عبرة التاريخ قائمة لمن يريد أن يعتبر.. وما يعتبر إلا أولو الألباب. أمَّا الطُّغَاةُ مطموسو البصيرة فأنَّى لهم أن يعتبروا؟!

إنَّ النفوس تخضع لجبروت الطغيان خَوْفًا وطمعًا في أول الأمر؛ لأنَّ الطغاة يحمون جبروتهم بشتى وسائل الحماية من ترغيب وترهيب.. ثم تتبلد النفوس من جهة، ويأخذ الطغيان صورة الأمر الواقع من جهة، فيستقر في الأرض فترة تطول أو تقصر، هي التي يتخيل الطُّغَاةُ فيها أنَّهم باقون أبدًا، مسيطرون أبدًا، لا يمكن زحزحتهم ولا تبديل الأحوال التي مكنت لهم في الأرض.
ثُمَّ تبدأ نفوس تتململ.. هي أكثر وعيًا وأكثر حساسية أو أصلب عودًا أو أكثر مخاطرة.. أو ما يكون من الأسباب.
وهنا يلجأ الطُّغَاةُ إلى جبروتهم مرة أخرى، ويستخدمون وسائل الإرهاب لوقف هذه الظاهرة “المنكرة” عن الانتشار، وتأديب الخارجين لكي يكونوا عبرة للآخرين.
ثُمَّ يكون هذا ذاته هو بدء النِّهاية! يشتد الجبروت وتتولد مقاومة متزايدة له في داخل النُّفُوسِ بمقدار ما يشتد ويمعن في الطغيان. وفي لحظة معينة يحدث الانفجار.. ويكون كالطوفان!
{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.

ولقد بدأت نذر الثورة على الكنيسة ورجال الدِّينِ، وعلى الدِّينِ المزيفِ الذي تقدمه الكنيسة، بدأت منذ عصر النَّهضة. وبدأ الكُتَّابُ يتمردون على سلطان الكنيسة الطَّاغي ويهاجمون رجال الدِّينِ، بل يهاجمون كذلك خرافات هذا الدِّينِ الكنسي ومعمياته.
ولكنها كانت أصواتًا متناثرة، فَظَنَّ القوم أنَّهم قادرون عليها وعلى إسكاتها.
ولكن سُنَّةَ من سنن الله كانت تجري، وما يستطيع أحد أن يوقف سُنَّةَ الله عن الجريان.
كانت هذه الأصوات تهز النَّائمين ليصحوا.. تزيل عنهم تبلد نفوسهم.. وتزيل ثقلة “الأمر الواقع” من حسهم، وتشعرهم أن التغيير ممكن، وأنَّ هذا الأمر الواقع ليست له صفة الخلود، ولا هو كذلك في منعة من النقد والتجريح.
وبذلت الكنيسة جهدها في محاولة إسكات هذه الأصوات، مستخدمة في ذلك نفوذها على قلوب الناس وعقولهم وأرواحهم، وسلطانها “التقليدي” الذي كانت تأمر به فتطاع، ويُنْظَرُ إلى كلمتها على أنَّها موضع التَّقْدِيس.. لأنَّها مرتبطة في حِسِّ الجماهير بالدِّينِ.. وما أعظم سلطان الدِّينِ على النفوس. كما استخدمت محاكم التفتيش حين اشتد فزعها وخافت على ما في يدها من السلطان.
ولكن رويدًا رويدًا زادت الأصوات عددًا، وزادت جرأة، وزادت استخفافًا بالجبروت.
علماء.. ومفكرون.. وفلاسفة.. ومصلحون.. وحاقدون! حاقدون على سلطان الكنيسة الطَّاغي وما تتمتع به من المزايا بغير اسْتِحْقَاقٍ..
وكانت العملية بطيئة.. بطيئة.. بطيئة..!! فقد كان حجم الطُّغْيَان هائلًا مخيفًا، وكان له في الأرض تَمَكُّن طويل يبلغ عِدَّة قرون.
ولكن في النِّهاية حدث الانفجار!
وكان بشعًا في شِدَّةِ انفجاره، بشعًا في سرعة اكتساحه، بشعًا في قسوة الحمم الذي تفجر من بركانه.
كانت الثورة الفرنسية بكل ما تضمنت من ألوان العنف والبطش والقتل وإسالة الدماء..
وهذه التَّعاليم (الواردة في التَّلْمُود(1)) أكثر قداسة عند اليهود من التَّعاليم الواردة في كتاب الله المُنَزَّل (التَّوراة)، التي تدعو إلى البر والخير الذي لم يُطِيقُوه أبدًا ولم يُطَبِّقُوه في حياتهم أبدًا، إلا قليل منهم، وهذا هو الذي أشار إليه القرآن الكريم: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (2).
فهم يدَّعون على الله أنَّه أَذِنَ لهم أن يعاملوا الأُمِّيين “وهم الأمميون في التَّعبير الآخر” على هذا النَّحو، وهم يعلمون أنَّهم يكذبون على الله، ثُمَّ يطيعون الكذب الذي يعلمون كذبه، ويُعْرِضون عن الصِّدْق الذي يعلمون أنه الحق!
وإذ كان مخططهم هو استعباد البشرية و”استحمارها” وتسخيرها لمصالحهم، فقد علموا أن أنجح الوسائل لذلك هي نزع عقائد الأممين وإفساد أخلاقهم.
يقول القرآن عنهم: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (3). ورغم أن هذا القول نازل فيهم، فقد وعوه وطبقوه على غيرهم!
إنَّ العبرة في الآية الكريمة أنَّ الأُمَّة التي أنزل الله كتابا من عنده لتُحَكِّمَهُ في شئون حياتها وتُجْرِي حياتها بمقتضاه ثُمَّ أعرضت عنه ونبذته، تفقد آدميتها وتتحول إلى دواب كالحمير، وهو نفس المعنى الذي تحمله الآية: {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}.

فلو ظلت أوروبا ذات دين وعقيدة ما استطاع اليهود أن يصنعوا ما صنعوا ولا أن يفسدوا ما أفسدوا.
صحيح أنَّ العقيدة التي قدمتها الكنيسة -أو قدمها بولس اليهودي الأصل- إلى أوروبا كانت فاسدة منذ أوَّلِ لحظةٍ، وأنَّ الدِّينَ الذي نشرته الكنيسة لم يكن هو دين الله المنزل.. وأنه منذ اللحظة الأولى كان يحمل الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها أولياء الشَّيْطان. ولكن شِدَّة تمسك أوروبا بعقيدتها -رغم فسادها- قد جَمَّد محاولات اليهود لتنفيذ الخطط الشريرة فترة طويلة، رغم أنَّهم لم يَكُفُّوا عن المحاولة خلال تلك القرون كما يقول -بحق- “وليم كار” في كتاب “أحجار على رقعة الشطرنج”.
لقد كانت العقيدة فاسدة نعم ولكنها كانت تدعو الناس إلى الفضيلة وتحذرهم من حبائل الشيطان وتحذرهم من فتنة الجنس خاصة، وتصل بهم إلى درجة التَّزَمُّت والرَّهْبَانِيَّة، والجنس من أشدِّ أدوات اليهود فعالية في إفساد الأمميين! كانت الأسرة متماسكة والشباب -في الغالب- يتزوج مبكرًا والاختلاط محدود، ودواعي الجريمة محدودة، والحياة بسيطة أقرب إلى الشَّظَفِ وعيش الكفاف … وفي مثل هذا الجو ماذا يملك اليهود مهما كانت براعتهم في الشَّرِّ؟!
لقد كان أقصى ما يفعلون هو جمع المال، وإقراضه بالرِّبا الفاحش للمحتاجين، وإيقاع أمراء الإقطاع في الدَّيْنِ ليستولوا في النهاية على ثرواتهم.
ولكن تأثيرهم في مجموع الناس كان معدومًا أو ضئيلًا إلى أقصى حَدٍّ، خاصة واليهود في أوروبا في ذلك الحين محتقرون مهينون، فوق البغضاء الموجهة إليهم والاضطهاد الحائق بهم على أساس أنَّهم قتلة المسيح كما يعتقد المسيحيون!
ولكن الحماقات المتوالية للكنيسة والخطايا التي ارتكبتها في حَقِّ الدِّين وحَقِّ النَّاسِ هي التي صَدَّعَتْ الكيان الدِّيني في النهاية وأوجدت الثَّغَرَات الواسعة التي نفذ منها الشريرون.

وفي الثورة الفرنسية وقع ذلك الانفجار الحاد، الذي دَوَّى في أرجاء أوروبا كلها فأوْدَى بالإقطاع وزلزل كيان الدِّينِ.
ومع ذلك فقد كان من الممكن أن تسير الثورة في مسار آخر لو لم يتدخل ذلك العنصر الشرير في توجيه الأحداث وجهة معينة تخدم أهدافه الخاصة بصرف النظر عن أهداف الثائرين!
كانت أهداف الثَّائرين هي القضاء على ذَيْنَك الحليفين الطَّاغيين المستبدين: رجال الإقطاع “الأشراف!” ورجال الدِّينِ.

وكان الإقطاع شرًا خالصًا فكان ينبغي أن يزول، وكان الدِّينُ الذي تقدمه الكنيسة وتطغى به على الناس يحوي بعض الحقائق وكثيرًا من الأباطيل، فكان يمكن أن تصحح أباطيله، ويستبدل به الدِّينُ الحَقُّ، الخالي أساسًا من الأباطيل.
ولكن اليهود حين دخلوا في الأمر لم ينتهزوا الفرصة لتَصْحِيح الدِّينِ.. وإنَّما اهتبلوها فرصة سانحة لتحطيم الدِّينِ! وهذا هو الدَّوْر الحقيقي الذي لعبوه في الثورة الفرنسية، لا أنَّهم هم الذين أنشئوها كما يزعمون في البروتوكولات، ويتابعهم في زعمهم “وليم كار” في كتاب الأحجار.
حقيقة إن المحافل الماسونية المنتشرة في فرنسا في ذلك الوقت هي التي قامت بالتحضير للثورة، وهي التي رفعت شعاراتها الخاصة -الحرية والإخاء والمساواة-، على غير وعي من “الأمميين” الذين قاموا بها! وإن بعض الخطباء من اليهود اشتركوا في إلهاب حماسة الجماهير وتفجير الغضب المكبوت.. ولكن هل كان في طوق اليهود -مهما فعلوا، ومهما تكن براعتهم الشريرة- أن يشعلوا الثورة لو لم تكن خاماتها موجودة في النفوس ومستعدة للاشتعال.

أمَّا الدِّينُ فلم تكن قصته كذلك.
كان الثوار ينقمون على رجال الدِّينِ طغيانهم الذي أذلُّوا به الناس عبر القرون، كما كانوا ينقمون عليهم مساندتهم لأمراء الإقطاع ضد دعوات التحرير من الظلم، وكانوا يريدون أن يتحرروا من ذلك الطغيان ومن تلك المساندة الظالمة للطُّغَاةِ ولكنهم لو تُرِكُوا لأنفسهم دون تدخل الأشرار لتوجيه الثورة لحسابهم الخاص، فلربما اكتفوا بقتل من قتلوا من رجال الدِّينِ دون التوجه لقتل الدِّينِ ذاته، أو لربما طالبوا بالإصلاح الدِّيني الذي يدع الناس أحرارًا في عبادتهم ويزيل عن البابا ورجال الدين قداستهم ويُصَحِّح العقيدة من انحرافها وينفي الأباطيل والمعميات عنها.
ولكن التَّدبير اليهودي كان يسعى إلى تحطيم الدِّين في أوروبا جملة لتحقيق مرحلة من مراحل المخطط الشرير الذي يهدف إلى تجريد “الأمميين” جميعا من عقائدهم وأخلاقهم، لأجل “استحمارهم” والسيطرة عليهم، وتسخيرهم لشعب الله المختار. بالإضافة إلى الانتقال الشخصي من الدِّين الذي اضطهدهم واستذَلَّهُم على اعتبار أنَّهم قتلوا “الرَّبَّ” المعبود في ذلك الدِّين وصلبوه!
لذلك سعوا بجمعياتهم الماسونية المنبثة في أنحاء فرنسا، وبخطبائهم وكُتَّابِهِم إلى توجيه غضب الجماهير المجنونة نحو الدِّينِ ذاته لا نحو رجاله فحسب … وكان أن أعلنت في “فرنسا الثورة” أوَّلَ حكومة لا دينية في العالم المسيحي لا تجعل الدين أساسًا لأي شَيْءٍ في حياة الناس.

كانت الثورة الفرنسية حدثًا ضخًما في حياة أوروبا دون شك، لا للأسباب التي يُدَرِّسُونَها للأولاد في المدارس، ولكن لأسباب أخرى أخطر وأهم.. فقد أطلقت يد اليهود لتحقيق مخططاتهم الشريرة بصورة لم تكن متاحة لهم من قبل في عهد الإقطاع.. فقد وُلِدَ من جَرَّاءِ الثورة الفرنسية والثورة الصناعية التي كانت الأولى تحضيرًا وتمهيدًا لها، مجتمع جديد كُلِّ الجِدَةِ عن المجتمع الإقطاعي، استطاع اليهود أن يعيثوا فيه فسادًا بكل قُوَّتهم؛ لأنَّه وُلِدَ في أيديهم من اللحظة الأولى فاستطاعوا أن يُشَكِّلوه على النَّحْوِ الذي يريدون، إذ كانوا هم -عن طريق البنوك والإقراض بالربا- ممولي الرأسمالية وسادتها المسيطرين عليها، والمسيطرين -من خلالها- على صياغة المجتمع الجديد بكل ما فيه من عقائد وتصورات وأفكار وسلوك.. وإذ كان “الأمميون” في أوروبا قد بدءوا ينسلخون من دينهم ويسلمون قيادهم للشيطان.

وسنتحدث فيما بعد عن “الحتميات” التي زعمها التَّفْسير المادي للتاريخ لتفسير الانتقال من طور في حياة البشرية إلى طور، وخاصة الانتقال من الطور الزِّراعي إلى الطور الصِّناعي، وسنرى عند الحديث عنها أنَّها حتميات زائفة، وأنها ليست هي -أو ليست هي وحدها- التي تحرك حياة البشر على الأرض، وتنقل خطاها من طور إلى طور، وأنه لم يكن من الحتم على الإطلاق أن تكون صورة المجتمع الرأسمالي الصناعي هي الصورة التي كان عليها بالفعل لولا التَّخطيط الشِّرِّير الذي شَكَّلَهَا على هذه الصورة(4).
استطاع اليهود -بعبقريتهم الشريرة- أن يتسلموا قياد المجتمع الأوروبي الآخذ في الانسلاخ من دينه بتأثير انحرافات الكنيسة الأوروبية وجرائمها وخطاياها فينشئوا على أنقاض المجتمع الإقطاعي المنهار مجتمعًا جديدًا بلا دين ولا أخلاق ولا تقاليد.. وقد سلطوا على هذا المجتمع كل قواهم الشريرة لينشئوه على هذه الصورة، فوضعوه بين ذراعي كماشة هائلة تعصره عصرًا وتُفَتِّت كيانه وتحيله كيانًا مَمْسُوخًا مُشَوَّهًا بلا قوام!
إحدى ذراعي الكماشة كانت نظريات “علمية!” زائفة، تحارب الدِّينَ والأخلاق والتقاليد من كل زاوية مستطاعة، تحتوي -لا شَكَّ- على شَيْءٍ من الحقِّ، ولكنها تَلْبِسُ الحَقَّ بالباطل على ديدن يهود من أول التاريخ:

{وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (5).
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (6)

وكان أبرز “الأبطال” في هذه المعركة ثلاثة من “أساطين” اليهود هم ماركس وفرويد ودركايم..

وأمَّا الذِّراع الأخرى للكماشة فكانت واقعًا فعليًا يقوم من أوَّلِ لحظة على عَدَاءٍ مع الدِّينِ والأخلاق والتقاليد، ويظل ينزلق خطوة خطوة، كل خطوة تؤدي إلى ما بعدها كأنَّما بصورة تلقائية “ومن طبيعة المُنْزَلَق أن يهوي بصاحبه إلى الهاوية ما دام قد سار فيه” وتؤدي في النهاية إلى الانسلاخ الكامل من كل مقومات الدِّين. وكان اللاعب الأكبر في هذه العملية الضَّخْمَة هو المرأة “المتحررة” اقتصاديًا، والمتحللة في ذات الوقت من سلطان الدِّينِ والأخلاق والتقاليد.

__________

1 التلمود هو كتاب اليهود “المقدس” غير المنزل، إنما هو من تأليف حكمائهم وله عندهم قداسة أكثر من الكتاب المنزل!!
2 سورة آل عمران: 75.
3 سورة الجمعة: 5.
4 الحتمية الوحيدة في هذا الوجود كله هي حتمية السنن الربانية. وما حدث بالفعل في هذا الكون فقد كان محتم الوقوع في قدر الله، ولكن قدر الله يجري في الأرض من خلال أعمال البشر إن خيرا فخير وإن شرا فشر: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [سورة الروم: 41] ولكن قدر الله لا يفرض الفساد على الناس، إنما يرتب على الفساد نتائجه وعلى الصَّلاح نتائجه: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [سورة المائدة: 65، 66] {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [سورة الأعراف: 96].
5 سورة البقرة: 42.
6 سورة آل عمران: 71.

ثانيا: طغيان الكنيسة ورجال الدين

مدخل

حولت الكنيسة دين الله المنزل إلى روحانيات صرفة أو روحانيات غالبة بقصره على شعائر التعبد ومشاعر التبتل والخشوع والتقوى، وإبعاد الجانب الذي يحكم الحياة العملية -أي: الشريعة- إلا قليلا منه، وترك هذا الجانب لقيصر يتصرف فيه بمقتضى القانون الروماني غير متقيد بما أنزل الله.
وكان المظنون أن تكون مهمتها تعميق الجانب الروحي -الذي قصرت الدين عليه- وأن تكون وسيلتها إلى ذلك هي التربية الروحية التي تربط القلوب بالله، لتحبه وتخشاه.
ولكن الكنيسة لم تكتف بهذا الجانب -المنطقي مع تصورها وتصويرها للدين -بل مارست سلطانا “دنيويا” هائلاً يتنافى مع هذا التَّصور، ولا يفسره شَيْءٌ في حقيقة الواقع إلا رغبة الطغيان!
بل إنها -حتى في الجانب الروحي البحت- قد مارست طغيانها الهائل فأبت أن تتصل قلوب المؤمنين بربهم مباشرة بلا وسيط، وأصرت أن تكون هي وحدها -ولا سواها- الواسطة التي تتصل القلوب عن طريقها بالله!
ويجدر بنا أن نفصل هذا الطغيان إلى أبوابه المختلفة التي مارستها الكنيسة على العقول والأرواح والأبدان، مستغلة سلطانها على القلوب، الذي يصاحب الجانب الروحي عادة في حياة الناس.
ونحتاج في هذا الشأن أن نتحدث أولا عن “رجال الدين” ثم نتحدث بعد ذلك عن طغيان الكنيسة ورجال الدين، الذي اتخذ مظاهر متعددة أهمها:
الطغيان الروحي.
الطغيان العقلي والفكري.
الطغيان المالي.
الطغيان السياسي.
الطغيان العلمي.

رجال الدين:
لكل دين -سماوي أو غير سماوي- رجال يقومون بتلقين الدين للناس، وتعليمهم إياه، ويكونون -في نظر الناس على الأقل- ألصق بأمور الدين وأعرف بها من سواد الناس الذين يكتفون -عادة- بممارسة ما يتلقونه من أولئك المعلمين دون تعمق فيه. وإذا كان هذا شأن كل دين -سماوي أو غير سماوي- فإنَّ الدِّين المنزل من عند الله يفترق في هذا الشَّأن عن الأديان المصنوعة على يد البشر في خصلتين اثنتين على أقل تقدير.
الأولى: أن يكون الذين يُعَلِّمون الدِّين للناس أقرب في سلوكهم إلى حقيقة هذا الدِّين ومقتضياته، أي: أكثر وعيًا وأكثر إخلاصًا وأقرب إلى الله، كما كان المهاجرون والأنصار بالنسبة للجيل الأول من المسلمين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
والثانية: أن يكونوا متفقهين في أمر الدِّين ليجيبوا الناس على أسئلتهم التي تخطر لهم بشأنه، سواءٌ في الجانب التعبدي المتصل بالعقيدة والشَّعائر، أو الجانب العملي المتصل بالشريعة.
{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (1).
وأمر طبيعي أن يكون مثل هؤلاء الرجال موضع التقدير والاحترام من بقية الناس، ولكنهم -بحكم طبيعة الدِّين المنزل من عند الله- لا يكونون موضع التَّقديس. أولا: لأنهم يعلمون الدين الحق، والدين الحق يجعل التقديس لله وحده وليس لأحد من البشر، وثانيا: لأنهم يعلمون الدين بجانبيه: ما يتعلق منه بالعقيدة والشعائر وما يتعلق بتنظيم أمور الحياة الدنيا بمقتضى الشرع الرباني؛ فيخاطبون في الناس جانبهم الروحي وجانبهم العقلي والعملي التطبيقي، فيظل ارتباط الناس بهم ارتباطا واعيا لا سحر فيه ولا غموض ولا أسرار. ومن ثم لا يصبحون -في حس الناس- وسطاء بينهم وبين الله، وإنما وسطاء بينهم وبين المعرفة الصحيحة بأمور الدِّين. وفرق بين الوساطتين كبير!
ومن ثَمَّ فلا يوجد في الدِّين المنزل من يطلق عليهم “رجال الدين” إنَّما يوجد رجال صالحون من جهة، وعلماء وفقهاء في الدِّين من جهة أخرى. وليس لهؤلاء ولا هؤلاء على الناس سلطان إلا سلطان المحبة والتقدير، ومكان القدوة الصالحة في النفوس.
وحقيقة أنَّ موسى عليه السلام -بوحي من ربه- قد ناط بكل سبط من أسباط بني إسرائيل الاثني عشر أعمالا معينة يتوارثونها بينهم، ومن بينها إقامة الشَّعائر والنُّسُكِ مما أوجد فيهم كهانة وكهانا.. ولكن هذا كان أمرا تنظيميا فيما بين الأسباط لربط بني إسرائيل بعضهم ببعض حتى لا يتفرقوا ولا يختلفوا فيما بينهم، ولم تكن كهانة للدين ذاته، أي: وساطة بين بني إسرائيل وبين الله.
أما الأديان الموضوعة فلها شأن آخر..
إنها أولا: أديان موضوعة لا تعرف الله الحق ولا تُعَرِّف الناس به. ومن ثم فإن مفهومها الديني ليس هو المفهوم الصحيح، والقداسة فيها ليست وقفا على الله وحده كما ينبغي في الدين الحق.
وهي ثانيا: تتكئ على الجانب الروحي: جانب العقيدة والشعائر والنُّسُكِ، أكثر بكثير من الجانب العقلي والعملي التطبيقي -إن اهتمت بهذا الأمر على الإطلاق- ومن ثَمَّ يصبح ارتباط الناس بهم ارتباطا روحيا ووجدانيا خاليا تقريبا من الوعي، أو -عند البسطاء من الجماهير- خاليا من الوعي على الإطلاق.
ومن هنا يصبح في هذه الأديان كهان أو رجال دين يمارسون سلطانا روحيا هائلا على الجماهير، وتحيط بهم هالة من الغموض والأسرار.. ويصبحون هم الوسطاء بين الناس وإلههم الذي يعبدونه!
وقد كان هذا هو شأن المسيحية المحرفة التي وضعتها الكنيسة الأوروبية. إنها دين وضعي وإن تمسح بالمسيح عيسى ابن مريم عليه السلام وبالوحي الرباني، وزعم أنه من عند الله. ومن ثم كانت له كهانة، وكان له رجال دين.. وكان هؤلاء الكهان -والبابا على رأسهم- وسطاء بين الناس وبين الله!
لقد حاولت الكنيسة أن تسند وجودها وسلطانها إلى المسيح عليه السلام، إما بتأويل كلماتٍ قالها بالفعل تأويلاً يناسب أهدافها، وإما باختراع كلمات لم يقلها وإلصاقها به، كما فعلت في قضية البنوة والتأليه، وإعطاء قانون قيصر شرعية كشريعة الله.
تزعم الكنيسة أن المسيح عليه السلام قال لبطرس كبير الحواريين: أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة ابْنِ كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها. وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطا في السَّموات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولا في السَّموات(2) وأنه قال: “إنِّي أهب سلطاني لكنيستي”.
ورتبت الكنيسة على هذا الزَّعم أنَّ المكان الذي مات فيه بطرس -وهو روما- لا بد أن يكون مقرَّاً للنفوذ الديني الذي يبسط ذراعيه على الأرض كلها ممثلا في الكنيسة، وأن ما تقوله الكنيسة -وعلى رأسها البابا- واجب الطاعة لأنه من أمر الله.
ولكن القضية كلها قائمة على أساسين واهيين هاويين:
قائمة على أساس أن المسيح عليه السلام ذو طبيعتين: إحداهما لاهوتية والأخرى ناسوتية، ومن ثَمَّ فهو إِلَهٌ وبَشَرٌ في ذات الوقت، وهو على هذه الهيئة وسيط بين البشر ذوي الطبيعة الناسوتية الخالصة والإله ذي الطبيعة اللاهوتية الخالصة!! فهو ليس رسولا يبلغ وحي الله للناس -كما هو في الحقيقة- إنما هو حلقة وسيطة تمر بها مشاعر الناس وأعمالهم لكي تصل إلى الله، كما تمر من خلاله كلمة الله إلى الناس!
وقائمة -من بعد- على أساس أن الكنيسة هي وريثة المسيح، ومن ثَمَّ فإنَّ لها ذات الوضع وذات السلطان الذي كان للمسيح، فهي مقدسة، “وقداسة” البابا -ومن يكل الأمر إليهم من الكرادلة وغيرهم- هم الوسطاء الذين تمر بهم مشاعر الناس وأعمالهم لكي تصل إلى الله، كما تمر من خلالهم كلمة الله إلى الناس!!
وكلا الأمرين لا يقوم على أساس في دين الله..
فالرُّسُل في دين الله هم رسل فحسب: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} (3). {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} (4). {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} (5).
{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (6).
وعيسى ابن مريم عبد الله ورسوله:
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً (171) لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} (7).
إنما وقع الخلط عندهم من أنَّهم قالوا: “في البدء كان الكلمة. والكلمة كان الله”. فجعلوا كلمة الله هي الله! وعلى هذا الأساس يمكن أن يكون آدم كذلك هو الله -نستغفر الله- لأنَّه كلمة الله: {قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (8) ولأنَّ الله نفخ فيه من روحه: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} (9).
__________

1 سورة التوبة: 122.
2 إنجيل متى، الإصحاح السادس عشر: 19، 20.
3 سورة الإسراء: 93.
4 سورة آل عمران: 144.
5 سورة الأنعام: 50.

6 سورة الأعراف: 188.
7 سورة النساء: 171-173.
8 سورة آل عمران: 59.
9 سورة “ص”: 72.

طغيان رجال الدين

أ- الطغيان الروحي

أشرنا من قبل إلى أن الطغيان الروحي هو من طبيعة الأديان الموضوعة التي تركز على الجانب الروحي. كذلك كان الأمر مع سحرة فرعون. وهم كهنته في ذات الوقت.. الذين يروي القرآن عنهم:
{فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} (1).
وكذلك كان الأمر مع كهنة الديانات الوضعية القديمة كلها. فالكاهن محوط بالأسرار والغموض، على أساس أن له صلة خفية بالإله المعبود، ومن ثَمَّ ففيه عنصر إضافي غير بقية البشر العاديين يتيح له ذلك السلطان المرهوب على القلوب؛ لأنه يملك -في حسهم- أن يستنزل رضا الرب وغضبه على السَّواء … وبعد قليل يصبح غضبه -في حسهم- كأنَّما هو غضب الرَّبِّ، وكذلك رضاه!
وإذا كان الأمر لم يصل في المسيحية المحرفة إلى صورة السحر المادي؛ لأن لها أصلا سماويا على أي حال، فقد كان دور رجال الدين فيها قريبا من دور الكهنة في الديانات الوثنية الخالصة(2) وكان لهم سلطان روحي طاغ على الناس بوصفهم الوسطاء بينهم وبين الله. فالطفل لا يُعَدُّ مسيحيًا حتى يُعَمَّد. والتَّعْمِيدُ لا يتم إلا على يد الكاهن. ومن ثم تبدأ حياة المسيحي بتلك الوساطة الكهنوتية التي تدخله -ابتداء- في الدين. ثم يظل حياته كلها مرتبطا بالكاهن. هو الذي يزوجه، وهو الذي يصلي به صلاة الأحد في الكنيسة، وهو الذي يتقبل اعترافه بخطاياه ويتقبل توبته “وإلا فلا توبة ومن ثَمَّ فلا غفران!” ثُمَّ هو الذي يصلي عليه في النهاية حين يموت. فهو من مولده إلى مماته مرتبط بالكاهن ذلك الرباط الذي يمثل في حسه الكوة المفتوحة على عالم الغيب، والصِّلة التي تصل قلبه بالله! ولا يستطيع مهما كانت حرارة وجدانه أن يعقد صلة مباشرة بالله بعيدة عن سلطان الكاهن أو غير معرضة لتدخله في أي وقت من الأوقات!
فإذا كان هذا سلطان الشماس الصغير في القرية “الأبرشية” فما بالك بالأسقف وما بالك بالكردينال!؟
ثم ما بالك برئيس هؤلاء جميعًا الذي يجلس على عرش البابوية هناك في مقر السلطان؟!
أَوَتَعْجَب إذن إذا قيل لك إنه “قداسة” -البابا- وإنه المتحدث باسم الرب الإله في الأرض.. وإنه مقدس الذات ومقدس الكلمات؟!
ثم هل تعجب -من جهة أخرى- إذا رأيت رجال الدين قد طغوا في الأرض بغير الحق، وقد أوتوا على القلوب ذلك السُّلطان؟!
إنَّ السُّلطان بطبيعته يطغى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى} (3) ولا يحد من هذا الطغيان إلا تقوى الله وصدق الإيمان به: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (4).
فإذا فرغت القلوب من التقوى.. فما الذي يمنع الطغيان؟
ولقد كانت قلوب أكثرهم خالية من التقوى كما يشهد كُتَّابهم ومؤرخوهم. عباد دنيا.. عباد مال ونساء وشهوات.. لذلك كان الدين بالنسبة إليهم حرفة يحترفونها، وسبيلا يلجونه ليوصلهم إلى المناصب ذات المكانة الرفيعة في المجتمع وذات السلطان.
ولذلك كان طغيانهم من أبشع ألوان الطغيان في التاريخ.. وكان حقا على أوروبا -حين تنورت- أن تخلع هذا السُّلطان الطاغي وتنسلخ منه، إحساسا بالكرامة وفرارا من الذُّلِّ والهوان.. وإن كانت قد تحركت -في هذا الأمر وفي غيره- حركات هوجاء بعيدة عن المنطق والرشد، أخرجتها من ضلال إلى ضلال.
يصف تشارلس ديكنز في قصة المدينتين التي يتحدث فيها -بطريقة روائية- عن مقدمات الثورة الفرنسية والأحوال التي هيأت لقيامها، مشهدا من مشاهد ذلك الإذلال الروحي الذي كان يمارسه رجال الدين على الناس، أو الذل الروحي الذي كان يمارسه الناس لرجال الدين -وكلاهما سواء في دلالته- فيصف شارعا من شوارع باريس وهي يومئذ غيرها اليوم … والمطر ينهمر بقوة، والشَّارع مملوء بالطين والأقذار والوحل، وموكب الكاردينال على حصانه يمر في الطريق، والناس محتشدة على الصفين ترقب ذلك المشهد بقلوب خائفة واجفة، وتنتظر اللحظة الهائلة التي يحاذي الموكب فيها رءوسهم، فتهوي هذه الرءوس خشوعا -أو مذلة!! – للموكب الموقر، وتظل تهوي حتى تلتصق بالأرض … في الوحل والطين والقاذورات!
بأبي أنت وأمي يا رسول الله!
“لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ” (5).
“إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ” (6).
ولم يكن ذلك هو الباب الوحيد للطغيان الروحي الذي مارسته الكنيسة ورجال الدين.. ففي صلب العقيدة المسيحية كانت هناك أبواب للطغيان..
فهناك “الأسرار” التي لا يعلم تأويلها إلا الرَّاسخون … لا في العلم ولكن في الكهنوت!
أسرار التثليث.. والعشاء الرباني الذي يتحول فيه جسد المسيح إلى خُبْزٍ ودماؤه إلى خمر! وما إلى ذلك من معتقدات وطقوس.
ولئن كانت هذه القضية داخلة في الطغيان العقلي والفكري -من حيث حظر التفكير فيها ومناقشتها، ووجوب التسليم الأعمى بها، وسنتكلم عنه بهذه الصفة هناك- فإنَّنا نتحدث هنا عن جانبها الروحي. ذلك أنَّها عندهم من صُلْبِ العقيدة.. والمفروض في العقيدة أن تكون خالصة بين القلب البشري وبين الله لا يعترضها في الطريق معترض؛ لأنها هي الصِّلة المباشرة التي تربط قلب المؤمن بالله.. إنما ينزل الله كلماته على رسله لتبين للناس حقيقة الألوهية.. ثم ينعقد الإيمان في داخل القلب البشري فيتجه مباشرة إلى الله.
وبصرف النظر عمَّا في تلك “العقيدة” من زيف، ما أنزل الله به من سلطان، فإنَّها -عندهم- هي العقيدة! بل هي العقيدة الصَّحيحة التي لا يقبل من أحد سواها! وليس المفروض في العقيدة الصَّحيحة أن تحتوي على أسرار مغلفة لا يعرف حقيقتها إلا فئة معينة من الناس محدودة العدد محدودة الذَّوات! إنما كان يحدث هذا في الدِّيانات الوثنية السالفة، حيث الأوهام بديل من الحق، وحيث الأسرار تحيط بالأوهام، ليظل الناس خاضعين لها لا يفيقون من سحرها، ولا يتمردون على كهنتها الذين في أيديهم -وحدهم- وصل القلوب بالأسرار، بطريقة خفية لا تدركها الأفهام ولا الأبصار!
وإذ كانت مسيحية الكنيسة في حقيقتها دينا من صنع الكنيسة، أو من صنع بولس الذي قدمها لأوروبا فقد احتوت شيئا من طبيعة تلك الديانات الوثنية التي وضعها البشر من قبل، فتضمنت تلك الأسرار التي لا يملك مفتاحها إلا أصحاب القداسة العليا.. أو هكذا يقولون للناس! فما يملك مفتاحها أحد في الحقيقة؛ لأنها وهم لا وجود له على الإطلاق؟
ومارست الكنيسة طغيانها الروحي كاملا في هذا الجانب، فقالت للناس: لن تؤمنوا بالله حتى تؤمنوا بتلك الأسرار.. ثم قالت لهم إن مفتاح تلك الأسرار عندنا نحن ولن نعطيه إلا لمن نختار!!

__________
1 سورة الأعراف: 16.
2 من هنا قال من قال من كُتَّابهم “وعلمائهم” الجاهلين: “إن تاريخ البشرية قد مر في ثلاث مراحل: مرحلة السحر ومرحلة الدين ومرحلة العلم التي يتخلص الناس فيها من الدين”. وهم يتكلمون عن جاهليتهم هناك.

3 سورة العلق: 6، 7.
4 سورة الحج: 41.

5 رواه البخاري.
6 رواه ابن ماجه.

ب- الطغيان العقلي والفكري:

إذ عدنا لتلك الأسرار ذاتها، وموقف الكنيسة منها، وجدنا هذا الموقف ينطوي على لون آخر من الطغيان غير الطغيان الروحي.. مارسته الكنيسة لا على أرواح الناس هذه المرة ولكن على عقولهم وأفكارهم، حين فرضت عليهم هذه الأسرار فرضًا ومنعتهم من مناقشتها، واعتبرت المناقش فيها أو الشَّاك في أمرها كافرًا مهرطقا وجبت عليه اللعنة الأبدية.. وخرج من رضوان البابوية فخرج -من ثَمَّ- من رضوان الله!

ولقد كانت تلك الأسرار كلها منافية للمنطق ومنافية للعقل. ولا شَكَّ أن واضعيها كانوا يعلمون ذلك أو يحسونه على أقل تقدير، ويحسون أنَّها لو نوقشت -بالعقل والمنطق- فلن تصمد للنقاش! وإذ كانوا يصرون عليها، وعلى أنها هي الحقيقة -تضليلًا بوعي أو ضلالًا منهم بغير وعي- فلم يكن أمامهم إلا أن يستخدموا سُلطانهم الطاغي لمنع المناقشة في هذه الأمور لكي لا تنكشف عن وَهْمٍ لا وجود له إلا في أذهان واضعيه أو لا وجود له حتى في أذهان واضعيه!

ويذكرني هذا بحق الاعتراض “الفيتو” الذي تمارسه الدول “الكبرى” في الجاهلية المعاصرة! فما إن تشعر إحدى تلك الدول أنَّ نقاشًا ما سيحرجها أو يكشف زيف موقفها وبعده عن الحق، حتى تبادر بإسكات الألسنة باستخدام “الفيتو” فيسكت المناقشون صاغرين!
ولئن كان هذا طغيانا تمارسه القوى الطغيانية التي تسمي نفسها الدول العظمى في الجاهلية المعاصرة فقد كان طغيان الكنيسة في جاهلية القرون الوسطى -المظلمة في أوروبا(1)- أنكى وأشد، فقد كانت تمارسه في أمر يمس العقيدة وهي ضرورة بشرية لا غنى عنها للبشر الذين خلقوا -بفطرتهم- عابدين، والذين تظل فطرتهم -بما أودع الله فيها- تبحث عن الله لتتجه إليه بالعبادة وتُقَدِّسه في علاه.
وحين كان أي عقل مفكر يتجرأ فيسأل -مجرد سؤال- عن ماهية هذه الأسرار، ولو كان سؤاله من أجل الإيمان أو الاطمئنان الذي يزيد الإيمان، كانت الكنيسة تسارع إلى زجره عن هذا الإثم الذي يهم به والذي يوقعه لا شَكَّ في المهالك! وتقول له إنَّ هذا أمر خارج عن نطاق العقل. إنَّما يُسَلِّم المؤمن به تسليمًا بغير نقاش!
وهذا أمر يختلف تمام الاختلاف عن موقف الكنيسة الأوروبية في قضايا العقيدة. فقد جعلت تلك الأسرار من أصول العقيدة، ثم زعمت أنَّ عندها وحدها مفاتيحها.. ثم قالت للناس: لن نعطيكم المفتاح! ولكن عليكم أن تؤمنوا بها كما نقدمها لكم دون سؤال ولا نقاش! وإلا فأنتم زائغو العقيدة مهرطقون.. وعليكم اللعنة إلى يوم الدين!
إن الكنيسة هنا وضعت نفسها في موضع الإله، بل افترضت لنفسها على الناس ما لم يشأ الله سبحانه وتعالى أن يفترضه لنفسه على عباده رحمة بالناس! فالله -وحده- هو الذي يَحِقُّ له أن يتعبد عباده بأُمُورٍ ليس من الضَّروري أن يدركوا حكمتها، ليعلم -سبحانه- من يطيعه بالغيب. ولكنه -من رحمته- قد جعل ذلك في أمور التَّعَبُّد وليس في أمور العقيدة التي جعلها الله سهلة وميسرة ومفتوحة بلا ألغاز ولا غموض، ليستوعبها كل قلب ويطمئن إليها كل قلب. أمَّا الكنيسة فجعلت ذلك في أمور العقيدة، وجعلت لنفسها حقوقا أكثر مما افترض الله على العباد!

ثُمَّ نعرج على الحديث الشريف فنجد أن فيه نصيحة للبشر أن يتعرفوا على الله سبحانه من خلال آياته الدَّالة على وحدانيته، والدالة على تفرده في كل شيء بلا شريك. وألا يحاولوا أن يتفكروا في ذات الله لكيلا يضلوا ولا يهلكوا.
هل هو حجر على العقل البشري أن يبحث وأن يناقش وأن يعرف؟
كلا! فالدعوة إلى التفكر واردة في أول الحديث. “تَفَكَّرُوا فِي خَلْقِ الله” إنما هو بيان للمنهج الصحيح للتفكير، ودعوة إلى صيانة العقل البشري أن تتبدد طاقته فيما لا طائل وراءه!
فماذا يملك العقل البشري أن يحيط به من ذات الله التي لا يحدها زمان ولا مكان ولا بدء ولا انتهاء؟
وإلى أي شَيْءٍ وصل العقل البشري في أمر الذَّات الإلهية حين خالف النصيحة ومضى يخبط في الظلمات؟ إلى أي شَيْءٍ وصلت الفلسفة في القديم أو الحديث، وإلى أي شَيْءٍ وصل علم الكلام بعد المعاضلات الذِّهْنية التي لا تؤدي إلى شَيْءٍ إلا إجهاد الذِّهْن بلا نتيجة؟!
إنَّ العقل ليعجز عن إدراك “الكنه” حتى في أمور الكون المادي، فيكتفي بتسجيل الظَّواهر دون الدُّخول في الكنه، فكيف بالخالق سبحانه الذي لا تحده الحدود؟
كلا! إنَّها الصِّيانة وليست الحجر.. ومن خالف النَّصيحة فليضرب في التيه!
أمَّا العقيدة فمن ذا الذي حَرَّج على العقل أن يُدْلِي فيها بدلوه ويكون فيها له نصيب؟
فأمَّا الإسلام فقد دعا العقل دعوة صريحة إلى التَّفكُّر والتَّدبُّر ليصل في أمر العقيدة إلى اليقين.. بل نعى على الذين يرفضون التفكير، اتباعا للهوى، أو اتباعا لما ورثوه من عقائد الآباء والأجداد، أو إغلاقا للحس والبصيرة، عن التأمل والتفكير: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (2).

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ} (3).
وجاء في وصف عباد الرحمن نفي للصفة الذَّمِيمة عنهم وهي إغلاق الحس والبصيرة عن التَّفكير: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} (4) أي: لم يوصدوا عقولهم عن التفكير الذي يؤدي إلى معرفة الحق.
كذلك يوصف المؤمنون بأنَّهم “أُوْلُواْ الأَلْبَابِ” وأنهم هم الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض فيهديهم التفكير إلى الإيمان بالله واليوم الآخر وخلق السَّموات والأرض بالحقِّ لا بالباطل: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (5).
ويشهد التاريخ أن “العقل” في ظل الإسلام قد قام بنشاط فكري ضخم في كل اتجاه، ولكننا نعود فنسأل، لنحدد بالضبط جريمة الكنيسة الأوروبية في الحَجْرِ على الفكر البشري: ما دور الوجدان وما دور العقل في قضية الإيمان؟ وهل هناك أمور يختص بها الوجدان وليس للعقل فيها إلا التَّسليم؟
إنَّ الدِّين -كما نعرف صورته في الوحي المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاطب الإنسان كله: وجدانه وعقله في آن. وقد يكون الوجدان أوسع الأوعية البشرية التي تستوعب أمر العقيدة وقضية الإيمان. ولذلك فإن الخطاب الوجداني هو الغالب في السور المكية التي يتركز الحديث فيها على العقيدة. والقرآن يستثير الوجدان البشري بالطَّرْقِ على جميع نوافذ القلب والتوقيع على جميع أوتاره، ثم -بعد استثارته- يلقي إليه الحقيقة المتعلقة بالعقيدة، فينفعل بها القلب، وتصل منه إلى القرار …
ولكن هذا ليس معناه أنَّ الوجدان يستقل بأمر العقيدة.. وليس معناه أنَّ الدِّين يفرض على العقل -في شأن العقيدة- أمورًا لا يستسيغها ولا يتقبلها، ويطلب منه أن يُسَلِّم بها تَسْلِيمًا أعمى بلا دليل.
فأمَّا ما يتصل بالذَّاتِ الإلهية فنعم … لا يملك العقل أن يستوعب. والوجدان أقدر على الاستيعاب من العقل المقيد في تصوره بحدود الزمان والمكان والبدء والانتهاء.
ولكن الدِّين لم يطالب الإنسان -من أجل أن يؤمن بالله- أن يتفكر في الذَّاتِ الإلهية التي يعجز عن الإحاطة بها، إنَّما طالبه بالتفكر في آيات الله التي تستجيش النفس بدلالاتها الواضحة على تفرد الله سبحانه وتعالى بالألوهية والربوبية، فيؤمن الإنسان بالله الواحد الذي لا شريك له. ثم تستقيم حياته بمقتضى ذلك الإيمان.
ومن ثَمَّ يشترك العقل والوجدان معا في أمر العقيدة، كل يؤدي دوره على طريقته.. وفي النهاية يستقر الإيمان في القلب، ويصبح حقيقة واقعة في كيان الإنسان تتبدى في فكره وشعوره وسلوكه على السَّواء.
وإذن فادِّعاء الكنيسة أن العقل لا ينبغي له أن يسأل وأن يناقش في أمر العقيدة، وإنَّما عليه أن يُسَلِّم تَسْلِيمًا أعمى ويترك الأمر للوجدان. هو ادعاء ليس من طبيعة “الدِّين” كما أنزل الله. إنما كان هذا من مستلزمات الأديان الوثنية التي تحوي أوهاما لا يمكن أن يسيغها العقل لو فكر فيها، فَتُسْكِت صوت العقل وتمنعه من التفكير، بالسحر تارة، وبالتهديد بغضب الآلهة المدعاة تارات؟
وإذا كان هذا الأمر -وهو إسكات صوت العقل ومنعه من التفكير- غير مستساغ حتى في بداوة الإنسان أو ضلالة البشرية؛ فهو من باب أولى غير مستساغ في دين تزعم الكنيسة أنَّه هو الدِّين المنزل من عند الله، وأنه يمثل مرحلة راشدة في تاريخ البشرية!
ولو كانت هذه الأسرار من الدين حقَّاً، ولو كان من أمور العقيدة التي يلزم الإيمان بها، ما منع الله النَّاس أن يناقشوها بعقولهم ليتبينوا ما فيها من الحق ويؤمنوا به! فإن الله لا يقول للناس -في وحيه المنزل- آمنوا بي دون أن تفكروا وتعقلوا. ولا يقول لهم: إني سأضع لكم الألغاز التي لا تسيغها عقولكم ثم أطالبكم أن تَخِرُّوا عليها صُمَّا وعُمْيَانا لا تتفكرون، وإلا طردتكم من رحمتي! إنما يقول الله للناس من خلال القول الموجه للرَّسول صلى الله عليه وسلم {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} (6)، ويندد بهم حين لا يتفكرون ولا يتدبرون: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (7).
ويرتب الإيمان على مجيء “البينات” وهي الأدِلَّة الواضحة التي تبين الحق وتزيل الشَّكَّ: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي} (8).
ويقيم الحجة على الناس قبل أن يطالبهم بالإيمان: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} (9).
كلا! لا يطلب الله من عباده التَّسْلِيم الأعمى، إنَّما يطلب منهم التَّسْلِيم البصير: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} (10).
إنَّما كان الأرباب المزيفون -في المجامع المقدسة وعلى “عرش” البابوية هم الذين حرَّموا على العقل أن يفكر، وفرضوا عليه أن يُسَلِّمَ تَسْلِيمًا أعمى بأمور لا يستسيغها ولا يعقلها، وإلا كان من الكافرين!
__________
1 كانت القرون الوسطى مظلمة بالنسبة لأوروبا فهم صادقون في تسميتها كذلك بالنسبة إليهم ولكن كُتَّابَاً “مسلمين!” يستخدمونها على أنَّها صفة شاملة للعالم كله في تلك القرون وقد حوت تلك الفترة أشد القرون نورًا.. تلك التي استضاءت بالإسلام!
2 سورة الروم: 29.

3 سورة البقرة: 170.

4 سورة الفرقان: 73.
5 سورة آل عمران: 190، 191.

6 سورة سبأ: 46.
7 سورة محمد: 24.

8 سورة النمل: 59-64.
9 سورة النساء: 165.

10 سورة يوسف: 108.

جـ- الطغيان المالي:

لم يكن “رجال الدين” من أهل التقوى والزُّهْدِ كما يُتَوَقَّع من القوم الذين حوَّلوا الدِّين إلى روحانية غالبة ورهبانية وأمروا الناس أن يكتفوا بعيش الكفاف لكي يدخلوا الجنة ويجلسوا عن يمين الرب في الآخرة! وأبلغتهم أنه “من أراد الملكوت فخبز الشعير والنوم في المزابل مع الكلاب كثير عليه” وأن “مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله”(1) وأن “لا تقتنوا ذهبًا ولا فضة ولا نحاسًا في مناطقكم، ولا فرودا للطريق، ولا ثوبين(2) ولا أحذية ولا عصا(3)”.
إنَّما كانت الكثرة منهم مِمَّن فتنوا بالدُّنيا ونسوا الآخرة.
يقول “كرسون” في كتاب “المشكلة الأخلاقية”:
“كانت الفضائل المسيحية كالفقر والتَّواضع والقناعة والصوم والورع والرحمة، كل ذلك كان خيرًا للمؤمنين وللقسيسين وللقديسين وللخطب والمواعظ. أما أساقفة البلاط والشخصيات الكهنوتية الكبيرة فقد كان لهم شيء آخر: البذخ والأحاديث المتأنقة مع النساء والشهرة في المجالس الخاصة والعجلات والخدم والأرباح الجسيمة والموارد والمناصب(4)”.
ويقول “ول ديورانت”:
“أصبحت الكنيسة أكبر ملاك الأراضي وأكبر السَّادة الإقطاعيين في أوروبا. فقد كان دير “فلدا” مثلًا يمتلك خمسة عشر ألف قصر صغير، وكان دير “سانت جول” يملك ألفين من رقيق الأرض، وكان “ألكوين فيتور”(5) سيدًا لعشرين ألفًا من أرقاء الأرض، وكان الملك هو الذي يعين رؤساء الأساقفة والأديرة وكانوا يقسمون يمين الولاء كغيرهم من الملاك الإقطاعيين، ويلقبون بالدُّوق والكونت وغيرها من الألقاب الإقطاعية.. وهكذا أصبحت الكنيسة جزءًا من النظام الإقطاعي”.
“وكانت أملاكها الزَّمنية، أي: المادية، وحقوقها والتزاماتها الإقطاعية مِمَّا يجلل بالعار كل مسيحي متمسك بدينه، وسخرية تلوكها ألسنة الخارجين على الدِّين، ومصدرًا للجدل والعنف بين الأباطرة والبابوات”(6).
وكانت مصادر تلك الأملاك متعددة، فمنها الأوقاف، ومنها العشور، ومنها الهبات ومنها الضَّرائب، ومنها السُّخْرَة.
فأمَّا الأوقاف فقد كانت الكنيسة تستولي على أراض زراعية واسعة وتوقفها على نفسها لتنفق منها على الأديرة والكنائس وتجهيز الجيوش للحروب الصليبية أو الحروب التأديبية التي تقوم بها ضد الملوك والأباطرة الخارجين على سلطانها. وفي ذلك يقول “ويكلف” وهو من أوائل الذين ثاروا على الفساد الكنسي وطالبوا بالإصلاح الشامل: “إن الكنيسة تملك ثلث أراضي إنجلترا وتأخذ الضَّرائب الباهظة من الباقي”(7).
كما فرضت الكنيسة على أتباعها أن يدفعوا إليها عشر أموالهم ضريبة سنوية لا يملكون التَّمَلُّص منها تحت وطأة التهديد بالحرمان وغضب الرب!
ويقول “ويلز”: “كانت الكنيسة تجبي الضرائب. ولم يكن لها ممتلكات فسيحة ولا دخل عظيم من الرسوم فحسب، بل فرضت ضريبة العشور على رعاياها، وهي لم تدع إلى هذا الأمر بوصفه عملًا من أعمال الإحسان والبر، بل طالبت به كَحَقٍّ(8)!”.
وفرض الباب يوحنا الثاني والعشرون بالإضافة إلى ذلك ضريبة جديدة سميت “ضريبة السَّنة الأولى” وهي دخل السَّنة الأولى لأية وظيفة من الوظائف الدينية أو الإقطاعية يدفع إلى الكنيسة بطريق الإجبار!
وأمَّا الهبات فهي هبات في ظاهر الأمر فقط! ولكنها تؤخذ بالإِحْرَاج والتَّوْريط، والتَّرغيب والتَّرهيب! وخاصة الهبات التي تمنح للكنيسة في الوصايا التي يكتبها الناس قبل موتهم. فقد فرضت الكنيسة على الناس ألا يكتبوا وصاياهم إلا على يد القسيس! وما دام القسيس حاضرًا وقت كتابة الوصية فقد أصبح الواجب -من باب “المجاملة” على الأقل- أن يهب الوَصِيّ شيئًا من ماله للكنيسة حتى لا يكون مجافيًا للذوق! أو حتى يتحاشى ما هو أخطر من ذلك: غضب الأرباب المؤدي إلى غضب رب الأرباب!!
وأمَّا السُّخْرَة فقد كانت الكنيسة تفرضها على رعاياها بالعمل يومًا واحدًا في الأسبوع بالمجان في أراضي الكنيسة الواسعة. فيعمل التُّعَسَاءُ ستة أيام في الأسبوع ليجدوا خبز الكفاف لهم ولأسرهم، ثم يعملون اليوم السابع -يوم الراحة- سخرة في أراضي الكنيسة لكي توفر الأخيرة أجور العمال التي كان المفروض أن تدفعها لقاء زراعة إقطاعياتها الواسعة وجني حاصلاتها؛ وتزداد بذلك اكتنازًا وضراوة في طلب المزيد من المال!
لقد كان من السَّهل على الكنيسة أن تمارس ذلك الطغيان المالي وهي تملك ذلك النُّفُوذ الطاغي على أرواح الناس وعقولهم. فما هي إلا أن تصدر الأمر فيطيع العبيد صاغرين!

__________
1 إنجيل مرقص: 10-22.
2 أي: إنه يكفي ثوب واحد.
3 إنجيل مرقص: 10، 11.
4 المشكلة الأخلاقية ص167.
5 أحد رجال الدين.

6 قصة الحضارة ج14 ص425.
7 فشر: تاريخ أوروبا ج2، ص362.
8 معالم تاريخ الإنسانية ج3 ص895.

د- الطغيان السياسي:

زعمت الكنيسة أن المسيح عليه السلام قد أعطى قيصر وحكمه شرعية الوجود، حين وضعت على لسانه هذه الكلمات: “إذن أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله” وفسرتها -عمليا- بترك القانون الرُّوماني يحكم العالم المسيحي بدلًا من شريعة الله.
ورغم أنَّ هذا تفسيرٌ خاطئٌ لدين الله المنزل على عيسى ابن مريم رسول الله، فقد كان مقتضاه -المنطقي- أن تتفرغ الكنيسة لشئون الآخرة وشئون الرُّوح، وتترك قيصر يحكم عالم الأرض وعالم الأبدان.
ولكنها لم تكن في شَيْءٍ من سلوكها العملي منطقية مع الذي تقوله بأفواهها أو تعلنه من مبادئها. فقد ادَّعت لنفسها سلطة دنيوية أو “زمنية Temporal كما يسمونها في التاريخ الأوروبي” نازعت بها الأباطرة والملوك وأخضعتهم لسُلْطانها.
ونحن المسلمين لا ننكر -من حيث المبدأ- أن يكون لمن يقوم على أمر الدِّين في الأرض سُلطان على الأباطرة والملوك، وإن كنَّا لا نعرف -في الإسلام- شيئًا يمكن أن يسمى “الكنيسة” ولا شيئًا يمكن أن يسمى “رجال الدين” إنما هم علماء الدين وفقهاؤه. إنما نقصد أننا لا ننكر على الذين يقع على عاتقهم مراقبة إقامة الدين في الأرض أن يكون لهم على ذوي السلطان سلطة النصيحة والتوجيه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولكن … لأي شيء تكون هذه السلطة وعلى أي شيء تدور؟!
إنها -في دين الله المنزل- تكون لتنفيذ شريعة الله ومراقبة الأمور كلها لكي تكون خاضعة لشريعة الله.
فهل من أجل هذا طالبت الكنيسة بأن يكون لها على الأباطرة والملوك سلطان؟! بل ذلك أبعد شَيْءٍ عن الحقيقة.
إنَّ الكنيسة -وهي تطالب بسلطانها الطاغي على الأباطرة والملوك- أو حين مارست هذا السلطان بالفعل لم تطالبهم قط بالانصياع إلى شريعة الله وتطبيق أحكامها على الناس “فيما عدا قانون الأحوال الشخصية الذي لم يجد معارضة من الحكام من قبل!” إنَّما كانت تطلب -وتمارس- سلطانًا شخصيا بحتًا، وأرضيا بحتًا، هو أن يطأطئ الملوك والأباطرة لها الرءوس وأن يعلنوا أنهم خاضعون لسلطانها!
إن الكنيسة -بذلك- قد أجرمت في حق دين الله جريمتين مزدوجتين:

الأولى أنها عزفت عن تطبيق شريعة الله، واجبها الأول، والمبرر الأكبر لوجودها إن كان لوجودها مبرر على الإطلاق، بينما كانت تملك سلطة تطبيق هذه الشريعة بما كان لها على قلوب الجماهير من سلطان من جهة، وبما صار لها من سلطان على الملوك والأباطرة فيما بعد …
والثانية أنها استخدمت سلطانها الذي حاربت من أجل الحصول عليه وأراقت الدماء في إخضاع الناس جميعًا، ملوكهم ورعاعهم، لهواها هي، وجبروتها هي، فجعلت من رجالها أربابًا من دون الله، وعَبَّدت الناس لهم من دون الله حتَّى حَقَّ عليهم قول الله فيهم: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} (1).
إنها جريمة بشعة -أو جرائم بشعة متراكب بعضها على بعض، من أي زاوية نظرت إليها.
فمن ناحية الدين المنزل شوهته بفصل العقيدة عن الشريعة وتقديمه للناس عقيدة صرفًا بلا تشريع أي: مسخًا مشوهًا لا يمثل دين الله الحقيقي … ثم ادَّعت للناس أنَّ هذا هو الدِّين! وزرعت في عقول الناس تصورا خاطئًا بأنَّ الدِّينَ علاقة خاصة بين العبد والرب، محلها القلب، ولا علاقة له بواقع الأرض … فسَهَّلت على الشياطين -فيما بعد- اقتلاع آثاره من واقع الحياة؛ لأنه لم يكن عميق الجذور في واقع الحياة!”(2).
ومن ناحية الواقع أسهمت في إفساد الأرض بتعطيل شريعة الله، والسماح للجاهلية الرومانية أن تحكم العالم المسيحي -في صورة قوانين وتنظيمات- ومنعت الإصلاح الذي أراده الله للناس حين نَزَّل عليهم الدِّين، فنشأت عن ذلك مظالم سياسية واقتصادية واجتماعية تمثلت في نظام الإقطاع الذي ساد العالم الأوروبي -في ظل الكنيسة- أكثر من عشرة قرون! وسهل على الشياطين -فيما بعد- اقتلاع آثار الدِّينِ وتحطيمه باسم الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي! فَضْلًا عَمَّا أثارته من المنازعات مع الأباطرة والملوك، مِمَّا أدى بهم -فيما بعد- إلى الانسلاخ من سلطان الكنيسة الذي يحمل عنوان الدِّينِ بالحق أو بالباطل، وتعميق مفهوم الفصل بين الدِّين والسياسة الذي كان قائمًا من قبل بالفعل بتعطيل شريعة الله، ليصبح عداءً كاملًا بين الدِّين والسِّياسة في أي صورة من صور السياسة وأي صورة من صور الدِّينِ!
ولكن سلطان الكنيسة ظل يتداعى في نهاية القرون الوسطى حتى قام الملوك يعلنون أنَّهم هم الحكام في الأرض بمقتضى “الحق الإلهي المقدس” وأنَّه ليس للبابوات عليهم سُلطان إلا السُّلطان الرُّوحي وحده.
فاستبدلت أوروبا في الحقيقة طغيانًا بطغيان مع فارق واحد، أنَّ الطغيان الجديد يبعد تدريجيًا ويبعد الناس معه عن سُلطان الدِّينِ! وفضلًا عن ذلك فقد كان انشقاق الملوك عن سلطان البابا يتخذ شكلًا قوميا متزايدًا، تسانده العوامل الأخرى -السياسية والاقتصادية- التي أحاطت بأوروبا وشجعت على ظهور القوميات، التي كان لها دور كبير في بروز الصِّراعات الحادة في أوروبا أولًا، ثُمَّ في العالم كله في صورة حروب استعمارية فيما بعد، بالإضافة إلى ما أثبتناه من قبل من تعميق الفصل بين السياسة والدِّين.

__________
1 سورة التوبة: 31.

2 سنتحدث عن ذلك في التمهيد الثاني “دور اليهود في إفساد أوروبا”.

هـ- الطغيان العلمي:

كان المفروض أن يأتي الحديث عن الطغيان العلمي بعد الحديث عن الطغيان العقلي والفكري فإنَّه وثيق الصِّلَةِ به. ولكنَّا أخرنا الحديث عنه باعتبارين:
الأول: أنَّه جاء متأخرًا في الترتيب الزمني إذ حدث في القرن السادس عشر والسابع عشر الميلاديين بينما كانت ألوان الطغيان الروحي والعقلي والمالي والسياسي قائمة في العالم المسيحي قبل ذلك بعدة قرون، والثاني أنَّه في الحقيقة لون جديد من الطغيان غير الطغيان العقلي الذي كان سائدًا من قبل بمنع المناقشة والتفكير في أمر الأسرار المقدسة المتصلة بالعقيدة، فقد كان هذا الطغيان الجديد يفرض على العقول ألَّا تفكر في أمور الكون المادي بما تقتضيه الملاحظات والمشاهدات العلمية، وأن تلتزم بالتَّفْسِيراتِ الكنسية لما جاء من إشارات في التَّوْرَاةِ عن شكل الأرض وعمر الإنسان، ولو خالفت هذه التَّفْسِيراتِ كل حقائق العلم النظرية والعملية على السَّواء!
بدأت القصة، أو بدأت الزَّوْبَعَة حين قال العلماء إنَّ الأرض كروية وإنَّها ليست مركز الكون! ويعرف التاريخ الأوروبي من أبطالها ثلاثة أسماء شهيرة غير الأسماء الأخرى التي لم تلمع على صفحات التاريخ، وهؤلاء هم: كوبرنيكوس وجردانوبرونو وجاليليو.
الأول: عالم فلكي بولندي ما بين 1473 و1543م.
والثاني: فيسلوف إيطالي عاش ما بين 1548 و1600م.
والثالث: عالم فلكي إيطالي عاش ما بين 1564 و1642م.

وقد قامت قيامة الكنيسة عليهم وعلى غيرهم فأحرقت من أحرقت، وعَذَّبَتْ من عَذَّبَتْ، وهَدَّدَتْ من وهَدَّدَتْ بالتعذيب والحرق في النار إن لم يكفوا عن هذه “الهرطقة” التي تقول إنَّ الأرض كروية وإنَّها ليست مركز الكون! (1) بحجة أنَّ التَّوراة قالت إنَّ الأرض مستوية “أي: مسطحة” وإنَّها هي مركز الكون، والإنسان مركز الوجود!
ويقول التاريخ الأوروبي: إنَّ الكنيسة قد فزعت فزعتها تلك حفاظًا على كيانها، الذي يقوم على الخرافة ويستند إلى انتشار الجهل بين الجماهير ؛وإنَّها خشيت على هذا الكيان أن يتصدع وينهار إذا انتشر العلم، وتبين الناسُ أنَّ ما تقوله الكنيسة ليس هو الحقيقة المطلقة في كُلِّ شَيْءٍ.
ولا شَكَّ أنَّ هذا -في جملته- صحيح.
ولكن هذه المقالة تغفل شيئين مهمين في هذا الشأن: أولهما؛ عن غفلة والثاني؛ عن قصد!
أما الأول: فهو أن آباء الكنيسة ورجالها كانوا مخلصين في صيحتهم -في أول الأمر على الأقل- لأنَّهم كانوا يتصورون أن ما جاء في التَّوْراة حقيقة، وأنَّ تفسيرهم له هو الصَّحيح. وسبب ذلك هو الجهالة التي كانت مخيمة على أوروبا كلها، وعلى رجال الدِّينِ فيها بصفة خاصة، فقد كانوا من أقل الناس ثقافة ومن أبعدهم عن تعلم العلم الصَّحيح -إن وجد- اكتفاء بالمجد الروحي والسلطان الطاغي والأموال الطائلة التي يتمتعون بها بوصفهم “رجال الدين”!
إنَّما يجوز بالفعل أن يكونوا قد استمروا في حرب العلم -عن وعي وعمد- فيما بعد خوفًا على سُلطانهم أن يتصَدَّعَ حين يكتشف الناس أن شيئًا مما يقولونه كاذب لا أساس له، فيكون وجودهم كله عرضةً لأن يوضع موضع التَّساؤل والمساءلة.. فينهار!
أما الأمر الثاني: الذي يغفله المؤرخون الأوروبيون عن عمد -رغم ظهوره- فهو أن هذا العلم الذي قامت الكنيسة بحربه كان آتيا من مصادر إسلامية، وكان يحمل معه خطر انتشار الإسلام في أوروبا ومن ثَمَّ انهيار الكنيسة ذاتها حين ينهار الدِّين الذي تمثله وتدَّعي حمايته!
ذلك أنَّه حين استيقظت أوروبا وبدأت تنهض كان لا بد لها أن تتعلم. ولم يكن ثَمَّتَ علمٍ إلا ما كان عند المسلمين، وفي مدارسهم.. ومن ثَمَّ أرسلت أوروبا أبناءها ليتعلموا في مدارس المسلمين في الأندلس والشمال الإفريقي وصقلية وغيرها من أماكن العلم.. فتعلموا هناك الطب والهندسة والرياضيات والفلك والكيمياء والفيزياء على أيدي الأساتذة المسلمين فتأثروا بهم، وتأثروا بالإسلام كذلك، فجُنَّ جنون الكنيسة من تأثير الإسلام الزَّاحف على أوروبا مع حركة العلم.. ومن ثَمَّ قامت تضع السُّدُودَ بين الإسلام وبين أوروبا، وكلفت كتابها أن يهاجموا الإسلام ويشوهوا صورته في نفوس الأوروبيين، وأن يهاجموا الرسول صلى الله عليه وسلم وينعتوه بكل نعت قبيح، لمقاومة ذلك “الغزو الفكري” المتسرب من المبتعثين العائدين من بلاد الإسلام. وكذلك كانت الحرب المعلنة ضد العلم، “المستورد” من البلاد الإسلامية جزءًا من هذه الحرب الشاملة ضد الإسلام وإن كانت قد خصت قضية كروية الأرض بأشد الحرب؛ لأنَّها وجدت نصا مقدسًا في التَّوراة تستطيع أن تُصَعِّدَ به المعركة إلى حد الحرق والتَّعذيب!
وأيا كان السبب فقد وقفت الكنيسة من العلم والعلماء ذلك الموقف الشَّائن الذي ترتبت عليه -ككل خطايا الكنيسة وأخطائها- نتائج بعيدة المدى في الحياة الأوروبية حتى اللحظة الرَّاهنة.. فقد بدأ منذ تلك اللحظة الفِصَامُ الأحمق بين العلم والدِّين الذي ما يزال يغشى بدخانه الأسود حياة أوروبا حتى اليوم.
إنَّ جريمة الكنيسة -فوق تشويه صورة الدِّينِ وتنفير الناس منه، الذي تلتقي عنده وتنتهي إليه كل جرائمها- أنَّها تفصل بين نزعتين فطريتين سويتين متكاملتين -نزعة التَّعَلُّم ونزعة العبادة- وتنشئ بينهما عداوةً لا وجود لها في أصل الفطرة، وصِدَامَا لا ينبغي أن يوجد في النفس السوية، فتمزق النفس الواحدة مزقًا وتثير في داخلها القلق والاضطراب.
لقد خلق الله الإنسان مفطورًا على حب المعرفة كما خلقه مَفْطُورًا على العبادة: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} (2).
{وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} (3).
{اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (4).
وفي النَّفْسِ السَّوِيَّةِ تتجاور النزعتان وتتكاملان بلا تصادم ولا تضاد. فالفطرة تتطلع إلى ربها لتعبده، والفطرة تتطلع إلى الكون من حولها تحب أن تتعرف عليه، وأدواتها هي الحس والعقل:
{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (5).
وتلتقي نزعة الإيمان بالغيب والإيمان بما تدركه الحواس، وتؤديان مهمتهما معًا في تشكيل إنسانية الإنسان على الصُّورةِ التي أرادها الله له، وكرمه بها وفَضَّلَه على كثير من الخلق.
ولكن الكنيسة بموقفها الأحمق -أيا كانت الأسباب التي دفعتها إليه- راحت تفصل بين هاتين النزعتين الفطريتين المتكاملتين وتقول للناس: إن أردتم الدِّينَ فاتركوا العلم.. ومن أراد العلم فقد خرج على الدِّينِ! فتخير الناس بين حاجتين فطريتين لا تغني إحداهما غناء الأخرى، ولا يسد إشباع أيهما جوعة الثانية!
وهل كانت هناك نتيجة منتظرة من هذا الموقف إلا أن يترك الناس ذلك الدِّينِ الذي يحجبهم عن العلم ويَحْجُر عليه، وأن يسيروا مع العلم في تياره الزَّاخر الذي يأتي كل يوم بجديد، وإن كانوا مع ذلك لا ينجون من القلق والاضطراب؟!!
على أن الشر لم يقف عند هذا الحد -وهو بشع في ذاته- لم يقف عند هجر الدِّينِ من أجل العلم، بل وصل إلى كراهية الدِّينِ والنفور منه، ونفيه نفيًا باتًا من مجال البحث العلمي على وجه الخصوص.
لا تجد في الجاهلية المعاصرة حقيقة علمية واحدة تسند بإرجاعها إلى أصل ديني! بل على العكس. مجرد ذكر الدِّينِ أو الله سبحانه وتعالى في مجال البحث العلمي كفيل -عندهم- بالشَّكِّ في الحقيقة العلمية، أو باستهجان المنهج على الأقل؛ لأنَّه منهج غير علمي!! كفيل بإثارة الامتعاض في جميع الأحوال! وصدق الله العظيم: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} (6).
وإقامة التَّصور -في أي مجال من مجالات البحث- على أساس المفهوم الدِّيني هو عندهم هدم للمنهج العلمي وتشويه له، وإعطاء حصيلة محوطة بالشَّكِّ ولو كانت كل الأدلة تؤيدها! وخذ مثالًا لهذا الموقف المعادي للدِّينِ ولو كانت الحقائق العلمية متفقة معه ومؤكدة له قول “جوليان هكسلي” في كتاب “الإنسان في العالم الحديث”: Man in the Modern World
“وهكذا يضع العلم الحديث الإنسان في مركز مماثل لما أنعم به عليه كسيد المخلوقات كما تقول الأديان.. ولم تكن وجهة النَّظر الدِّينية صحيحة في تفاصيلها أو في كثير مِمَّا تضمنته.. ولكن كان لها أساس جيولوجي متين”(7)!
وهذه “الطبيعة” ذاتها، وتأليهها ونسبة الخلق إليها.. لقد كانت إحدى الخطايا المترتبة على الخطيئة التي اقترفتها الكنيسة من قبل بوقوفها موقف العداء من العلم والعلماء..
إن تأليه الطبيعة -سواء في مجال العلم أو الفن أو أي مجال آخر- لهو المهرب الوجداني الذي لجأت إليه أوروبا لتهرب من إله الكنيسة الذي تستعبد الناس باسمه في كل مجالات الحياة: الروحية والفكرية والمالية والسياسية والعلمية.. إلخ، وتخترع إلهًا آخر له معظم صفات الله الخالق البارئ المصور، ولكن ليست له كنيسة وليست له التزامات!

وإلا فما “الطبيعة” في مجال البحث العلمي على الخصوص؟
ومن أين لها صفة الخلق؟ والخلق بهذه الدقة المعجزة التي يتحدثون عنها سواءٌ في الفلك أو الكيمياء أو الفيزياء أو الطب أو علم وظائف الأعضاء أو علم الحياة؟!
ثُمَّ إذا كانت -كما يقول دارون- تخلق دون قصد معين ولا تدبير، فكيف خلقت الإنسان الذي يتصف بالقصد والتَّدْبير؟ أي: بعبارة أخرى: كيف يخلق الخالق من هو أعلى منه وأكمل وأدق؟!
ولكن الجريمة الكبرى في هذا الشَّأن تقع على عاتق الكنيسة بادئ ذي بِدْءٍ، التي أقامت ذلك الحاجز من العداء بين الدِّين والعلم، الذي ظل يتفاقم حتى وصل -على يد الشَّيَاطِين- إلى استخدام العلم ذريعة إلى القضاء على الدِّينِ.

__________
1 مات كوبر نيكوس قبل أن يقع في قبضة محاكم التفتيش، أما جوردانوبرونو فقد أحرق حيَّاً، وأمَّا جاليليو فقد سجن حتى أشرف على الهلاك فتراجع -ظاهريا- عن معتقداته وإن ظل مقتنعًا بها في الحقيقة.

2 سورة الأعراف: 172.
3 سورة البقرة: 31.
4 سورة العلق: 3-5.
5 سورة النحل: 78.

6 سورة الزمر: 45.
7 من فصل “تفرد الإنسان” ص36 من الترجمة العربية لحسن خطاب.

ثالثًا: فساد رجال الدين

المفروض في “رجال الدِّينِ” إن كان ثمة مبرر لوجود رجال دين على الإطلاق أن يكونوا قدوة صالحة للمؤمنين بالدِّين، ونموذجًا يحتذى في الفكر والشُّعور والسُّلوك.
ولكن رجال الدِّين الكنسي في أوروبا البابوية لم يكونوا يؤمنون بشَيْءٍ من ذلك ولا يحتفلون به!
بل كانت حياة الغالبية منهم حياة ترف وملذات وشهوات!
يقول الله ليحذر المؤمنين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}.
كبر مقتًا لأنَّه صَدٌّ عن سبيل الله.. وأي جريمة أكبر من الصَدِّ عن سبيل الله؟
إنَّ الناس قد يتقبلون من الشَّخص العادي أن يكذب أو يغش أو يلتوي في سلوكه.. أو يقع فريسة للشَّهَوَاتِ.
أمَّا أن يقع ذلك مِمَّن ينصب نفسه قدوة للنَّاسِ، أو مِمَّن يدعو النَّاسَ إلى التَّمَسُّكِ بالفضيلة والبعد عن الرذيلة.. فهذا الذي لا يستسيغه الناس من جهة، والذي يَصدهم عن القيم الرَّفيعة من جهة أخرى؛ لأنَّه يُيَئِسُهُم من قيام تلك القيم في عالم الواقع، ويُشْعِرُهُم أنَّها مجرد شعارات معلقة في الفضاء. ويُهَوِّن لهم من جهة أخرى ارتكاب الرذيلة بكل أنواعها؛ لأنَّه إذا كان دعاة الفضيلة يفعلون ذلك، فما بالهم هم، الذين لم يزعموا لأنفسهم ذات يوم أنَّهم من أصحاب الفضيلة؟!
لذلك كبر مقتا عند الله أن يقول المؤمنون بألسنتهم ما يخالفونه في سلوكهم الواقعي.وهذا الذي كبر مقتًا عند الله كان هو السُّلوك الغالب على رجال الدِّينِ الكنسي في أوروبا البابوية! مِمَّا أدى -كما أدت خطايا الكنيسة كلها- إلى نبذ الدِّين في النِّهاية والانسلاخ منه.
يقول “ول ديورانت” في فصل بعنوان “أخلاق رجال الدِّين” من كتاب “قصة الحضارة” “ج21 ص83-86”:
“وكان بين هذا التُّقى والورع كثير من التَّراخي في الأخلاق بين رجال الدِّينِ، نستطيع أن نثبته بما نضربه من مئات الأمثال: فها هو ذا “بترارك” نفسه الذي بقي مخلصًا لدين المسيح إلى آخر حياته، والذي صور ما في دير الكرثوزيين، الذي كان يعيش فيه أخوه، من نظام وتقى في صورة طيبة مستحبة، ها هو ذا يندد أكثر من مرة بأخلاق رجال الدِّينِ المقيمين في أفنيون. وأنَّ الحياة الخليعة التي كان يحياها رجال الدِّينِ الإيطاليون والتي نقرأ عنها في روايات بوكاتشيو المكتوبة في القرن الرَّابع عشر إلى روايات ماستشيو في القرن الخامس عشر، إلى روايات بنديتلو في القرن السَّادس عشر، إنَّ هذه الحياة الخليعة موضوع يتكرر وصفه في الأدب الإيطالي، فبوكاتشيو يتحدث عمَّا في حياة رجال الدِّينِ من دعارة وقذارة ومن انغماس في الملذات طبيعية كانت أو غير طبيعية. ووصف ماستشيو الرُّهْبَان والإخوان بأنَّهم “خدم الشيطان” منغمسون في الفِسْقِ واللواط، والشره، وبيع الوظائف الدينية، والخروج على الدِّينِ، ويقر بأنَّه وجد رجال الجيش أرقى خلقًا من رجال الدين”.

رابعًا: الرهبانية وفضائح الأديرة

{وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} (1).
يروى عن السيد المسيح عليه السلام أنَّه قال: “من أراد ملكوت الرب فليترك ماله وأهله وليتبعني” وأنَّه قال: “من أراد الملكوت فخبز الشعير والنوم في المزابل مع الكلاب كثير عليه”.
وسواء صَحَّت هذه النُّصوص – وهو أمرٌ مشكوك فيه -؛ أم كانت ألفاظها قد حُرِّفت – في حال صحتها كما نظنُّ – أو زيد عليها، فلا شَكَّ أنَّ المسيح عليه السلام دعا إلى الزَّهَادة والارتفاع عن متاع الأرض كما دعا كُلُّ نَبِيٍّ قبله، وكما قال صلى الله عليه وسلم من بعده: “مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ” (2).
ولكن دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تنشأ عنها رهبانية، بل لم يتقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الرَّهْبَانية حين جنح إليها بعض المسلمين كما يتضح من الواقعة الآتية:
“جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي” (3).
ولكنَّ شيئًا ما -في دعوة السيد المسيح- قد شجعت على ابتداع الرَّهْبَانية فيما يبدو. فقد بُعِثَ السيد المسيح إلى بني إسرائيل وقد غلبت عليهم مادية كافرة، يعبدون الذَّهَب ويعيشون للحياة الدُّنيا، ولا ظل في حياتهم للإيمان باليوم الآخر ولا حساب له في قلوبهم. جَفَّتْ أرواحهم فلم تعد فيها نداوة الحب ولا إشراقة النُّورِ التي تصاحب الإيمان بالله.
من أجل ذلك كانت الرُّوحانية هي السِّمة الغالبة على دعوة السيد المسيح، وكان الإكثار من الحديث عن الزُّهْد والارتفاع على شهوات الأرض، لعل الدَّعوة على هذا النَّحو تلين القلوب القاسية التي قال الله عنها: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (4).
وهل أدل على هذه القسوة من أن تبيح لهم وحشيتهم أن يقتلوا “الأمميين” في عيد الفصح ليعجنوا بدمائهم فطيرة “مقدسة!” ثُمَّ يأكلوها ابتهاجًا بالعيد؟!
وفَجَرَ بنو إسرائيل فلم يستجيبوا لهذه الدَّعوة المترفعة التي دعاهم إليها السيد المسيح، بل سَعَوْا إلى إثارة الحاكم الرُّوماني “بيلاطس” ليحكم عليه بالقتل صلبًا.. لولا أنَّ الله نجاه منهم ورفعه إليه فلم يقتلوه ولم يصلبوه. وقال الله عنهم:
{وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} (5).
ولكن الدَّعوة المترفعة التي أعرض عنها قساة القلوب تسربت -بقدر من الله- إلى قلوب أخرى اعتنقتها وآمنت بها وتلقت روحانيتها النِّدِيَّة بالتَّرحيب: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} (6). وهؤلاء هم الذين ابتدعوا الرَّهْبَانِيَّة: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ}.
ولكن أيَّاً كان الدَّافع لهم على ابتداع الرَّهْبَانِيَّة: التأثر بتعاليم السيد المسيح أو تأويلها على نحو معين كما أَوَّلَ الصوفية الآيات والأحاديث الواردة في ذَمِّ الدُّنْيَا فجعلوها ذَمَّاً مطلقًا وفي كل الحالات، بينما هي واردة في ذَمِّ الدُّنْيَا حين تصد عن الإيمان بالله أو تصد عن الجهاد في سبيل الله..
نقول أيَّاً كان الدَّافع، فإنَّ الرَّهْبَانِيَّة مضادة لدفعة الحياة السَّوِيَّة التي خلقها الله لتعمل لا لتكبت وتحجز عن الحركة والنشاط. فقد جعل الله الإنسان خليفة في الأرض وكلفه عمارتها: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (7).
ومن أجل القيام بأمر الخلافة أي: الهيمنة والإشراف والتَّمَكُّن، ومن أجل القيام بعمارة الأرض، أودع الله الفطرة مجموعة من الدوافع المحركة إلى العمل والنشاط..
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (8).
وصحيح أن الله سبحانه وتعالى لا يحب لعباده أن ينطلقوا إلى آخر المدى مع هذه الشَّهَوات؛ لأنَّها عِنْدَئِذٍ لا تكون معينًا على الخلافة الراشدة ولا على عمارة الأرض على النحو اللائق بالإنسان، بل تكون شاغلًا من الارتفاع وداعيًا إلى الهبوط إلى مستوى الحيوان، وَعِنْدَئِذٍ يكون الإنسان أضل من الحيوان:
{أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (9).
وهناك أفراد -أفذاذ- يستطيعون أن يتخَفَّفَوا من متاع الأرض إلى أقصى حد دون أن يشغلهم الشعور بالحرمان عن الحركة والنشاط والعمل بإيجابية كاملة، أولئك هم الزُّهَّاد على بصيرة. وقد كان محمد صلى الله عليه وسلم إمام الزَّاهِدين، وهو أكبر طاقة إيجابية حركية عرفتها البشرية..
ولكن الرَّهْبَانِيَّة ليست كذلك.. إنها اعتزال.. إنها ترك للحياة الواقعية بكل ما فيها ولياذ بالأديرة المنقطعة عن تيار الحياة. ولقد يتربى الرَّاهب على تعود الحرمان حتى لا يعود يحس بلذع الحرمان.. نعم.. ولكنه في الوقت ذاته يفقد إيجابيته الفاعلة في واقع الأرض ويتخلى عن دوره في عمارتها، ويلغي طاقات كيانه فلا يتزوج ولا يعمر وجه الأرض بالنَّسل ولا ينتج.. إلا مشاعر ذاتية في طي الكتمان.
لذلك نقول إنَّ الرَّهْبَانِيَّةَ مضادة لدفعة الحياة السوية كما خلقها الله.
وإذا كان الله قد قبلها منهم -لفترة معينة- هي المحدودة بمجيء الرسول صلى الله عليه وسلم مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه، وناسخًا ما شاء الله أن ينسخ من الشَّرائع -المحلية- السابقة، لينشر في الناس كلمة الله الأخيرة وشريعته الباقية..
إذا كان الله قد قبلها منهم لتلك الفترة المحدودة فإنَّهم وهم مبتدعوها والمتطوعون بها من عند أنفسهم لم يَرْعَوْها حَقَّ رعايتها! ولقد كان المتوقع ألا يَرْعَوْها حَقَّ رعايتها.. أي: لا يصبروا على تكاليفها. فهي سباحة دائمة ضد التيار.. تيار الحياة.. وجهد مجهد لا يصبر عليه كثيرون..
أما أن تنقلب -وهي المنوطة بالتقوى والزُّهد والتَّعفُّف والارتفاع عن الشَّهوات- إلى مباءة للقذارة الحسية والمعنوية يتعفَّف عنها الرَّجل العادي أو الفتاة العادية.. فهذا الذي لا يمكن أن يتوقع على الإطلاق!
فإذا كانوا لا يصبرون على تكاليفها فما الذي يجبرهم على المضي فيها وهي تطوع غير مفروض؟!
أما أن يستمروا فيها عنوانًا ولافتة، ومظهرًا خادعًا من الخارج، ثُمَّ يحولوها إلى حانات للخمر ومواخير للفساد، ومباءة للشذوذ الجنسي بين الرِّجال والرِّجال والنِّساء والنِّساء، بالإضافة إلى ما يحدث من العلاقات السِّرِّيَّة بين أديرة الرجال وأديرة النساء.. فهذا أمر يشهده الحس ويبعث على التقزز والنفور.
__________
1 سورة الحديد: 27.
2 رواه أحمد والترمذي. وأخرجه الطبراني في “الكبير” 20/ (644) ، وفي “مسند الشاميين” (1375) ، والحاكم 4/331 من طرق عن أبي المغيرة، بهذا الإسناد، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
3 رواه الشيخان والنسائي.

4 سورة البقرة: 74.
5 سورة البقرة: 87.
6 سورة الحديد: 27.

7 سورة هود: 61.
8 سورة آل عمران: 14.
9 سورة الأعراف: 179.

خامسًا: مهزلة صكوك الغفران

لمْ يَكْف الكنيسة ورجال دينها هذا الفساد كله، فأضافوا إليه مهزلة من أكبر مهازل التَّاريخ. تلك هي مهزلة صكوك الغفران.
فقد أصدر مجمع لاتيران سنة 1215 القرار التالي لتقرير أنَّ الكنيسة تملك حَقَّ الغُفْرَانَ للمذنبين:
“إن يسوع المسيح، لما كان قد قلد الكنيسة سلطان منح الغفرانات، وقد استعملت الكنيسة هذا السلطان الذي نالته من العلا منذ الأيام الأولى، فقد أعلم المجمع المقدس وأمر بأن تحفظ للكنيسة في الكنيسة هذه العملية الخلاصية للشعب المسيحي والمثبتة بسلطان المجامع، ثُمَّ ضرب بسيف الحرمان من يزعمون أنَّ الغفرانات غير مفيدة أو ينكرون على الكنيسة سلطان منحها. غير أنَّه قد رَغَّبَ في أن يستعمل هذا السُّلطان باعتدال واحتراز حسب العادة المحفوظة قديمًا والمثبتة في الكنيسة لئلا يمس التَّهذيب الكنسي تراخ بفرط التَّسَاهُل”(1)
ولكن الكنيسة لم ترع ذلك التَّحفظ الوارد في القرار، وهو “استخدام هذا السُّلطان باعتدال واحتراز” فقد كانت راغبة في زيادة سلطانها -وزيادة أموالها كذلك! – فعمدت إلى منح المغفرة بصكوك تباع بالمال في الأسواق! يقول الصَّكُّ:
“ربنا يسوع يرحمك يا … (2)يشملك باستحقاقات الأمة الكلية القدسية، وأنا بالسُّلطان الرَّسولي المعطى لي أحلك من جميع القصاصات والأحكام والطائلات الكنسية التي استوجبتها، وأيضًا من جميع الإفراط والخطايا والذُّنوب التي ارتكبتها مهما كانت عظيمة وفظيعة، ومن كل عِلَةٍّ وإن كانت محفوظة لأبينا الأقدس البابا والكرسي الرسولي، وأمحو جميع أقذار الذنب وكل علامات الملامة التي ربما جلبتها على نفسك في هذه الفرصة وأرفع القصاصات التي كانت تلتزم بمكابدتها في المطهر، وأردك حديثًا إلى الشركة في أسرار الكنيسة، وأقرنك في شركة القديسين، أردك ثانية إلى الطهارة والبر اللذين كانا لك عند معموديتك، حتى إنَّه في ساعة الموت يغلق أمامك الباب الذي يدخل منه الخطاة إلى محل العذاب والعقاب، ويفتح الباب الذي يؤدي إلى فردوس الفرح. وإن لم تمت سنين مستطيلة فهذه النِّعمة تبقى غير متغيرة حتى تأتي ساعتك الأخيرة باسم الأب والابن والروح القدس”(3).
وإنَّها -والحق يقال- لمهزلة فريدة في التاريخ!
فقد عرفت الديانات الوثنية -من قبل ومن بعد- عملية إرضاء الكاهن ابتغاء رضوان الإله المعبود، باعتبار أن الكاهن هو الوسيط بين العبد والرَّبِّ، وأنَّ رضاه يؤدي -في وهمهم- إلى رضا الإله، وغضبه يؤدي إلى غضب الإله. والنُّذُور للأوثان أمر معروف في التاريخ.. وكان العرب في الجاهلية يؤدون الشَّعائر والنُّسُكِ للأوثان -ومن بينها تقديم النُّذُور- ليقربوهم إلى الله زُلْفَى.
{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (4). ويجيء الدِّين المنزل ليصحح العقيدة ويصحح السُّلوك، فيجعل الشَّعائر والنُّسُك لله وحده، وبين العبد وربه مباشرة بلا وسيط:
{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} (5).
ويكون للرسل -في حياتهم- خصيصة يختصون بها هي أنَّ دعاءهم يستجاب عند الله حين يدعون بالصَّلاح أو البركة أو المغفرة لمن يستحق ذلك عند الله: { وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (102) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (6).
أمَّا لمن لا يستحق فالدُّعاء -حتَّى من الرُّسُلِ- غير مستجاب:
{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (7).
فإذا كان هذا شأن الرسل -بل شأن سيد الرُّسُلِ صلى الله عليه وسلم فما بالك بالبابا الذي لا حظوة له عند ربه ولا إذن له من الله بقبول الغفران؟!
بل ما بالك حين يكون الأمر لا عن نية حقيقية في التَّوْبة يعلمها البابا -تقدس سره! – بل من أجل مبلغ من المال؟! بل ما بالك والمال -في أكثر الأحيان- ليس مدفوعًا لله على سبيل الصَّدَقَةِ للفقراء والمساكين، مِمَّا يقبله الله من المؤمنين ويحط به من خطاياهم، وإنَّما هو لشراء الصَّكِّ كما تشترى أي سلعة معروضة في الأسواق، والمال يذهب إلى خزائن البابوات والكرادلة حتَّى يكتنزوا بالذهب والفضة التي يكنزونها، ولا يذهب إلى مستحقيه من الفقراء والمساكين؟!
ولا نشك في أنَّ المهزلة في بادئ الأمر كانت جادة! أي: إنَّ الذي يشتري الصَّكَّ كان راغبًا في التَّوْبة، ظانا أن هذا السَّبيل يؤدي بالفعل إلى التَّوْبة والمغفرة ورضوان الله، وكان المال المدفوع يأخذ في حس صاحبه مكان الصدقة المرفوعة إلى الله. كما أنَّ الكنيسة استخدمت صكوك الغفران لتشجيع المقاتلين على خوض المعارك الصليبية ضد المسلمين فكانت تمنح الصَّكَّ لمن ينخرط في سلك الجيوش الصليبية فتحمله الرَّغْبَة في الفردوس الموعود أن يلقي بنفسه في أتون الحرب التي يرجع منها أو لا يرجع.. وهو غالبًا لا يرجع!
ولكن الجد في هذا الأمر الهازل لا يمكن أن يستمر!
ولئن استمر البسطاء مخدوعين في قداسة البابا وقدرته على محو الذُّنوب من صحيفة الأعمال بما له عند الله من الوساطة والحظوة و”القداسة”.. فقد انكشف الأمر عند العقلاء ولا شك عن أن قداسة البابا قد أصبح تاجرًا كبيرًا، وأنَّه على نسق معظم التُّجار الكبار مدلس غشاش!! يبيع بضاعة لا يملكها ويقبض الثمن لنفسه ليثرى الثراء الفاحش، ثم ينفق هذا الكسب الحرام في المتاع الدَّنِسِ ويغرق به في الشهوات!
ومع أنها مهزلة مضحكة -ومكشوفة- فقد ظلت قائمة في المجتمع الأوروبي -مجتمع الظلمات- فترة غير قصيرة من الوقت، واتسع نطاقها وكثرت أرباحها حتى فاضت عن مطامع قداسة البابا، فتنازل عن شيءٍ من الفائض لكبار أعوانه، فصرح لهم بإصدار صكوك لحسابهم، استرضاءً لهم، واستعانةً منه بهم في “جلائل الأعمال”!
ولكنها كانت لا بد مؤدية إلى نتائجها الطبيعية، وهي النفور من الدِّين في النهاية والنُّفور من رجال الدِّين.
فحين يرى النَّاس الحصيلة المتحصلة من الصُّكُوكِ تذهب إلى الترف الماجن والمتاع الفاجر الذي يغرق فيه معظم البابوات وكبار رجال الدِّين، وحين يرون نفرًا من أصحاب الصُّكُوكِ -وقد ضمنوا مغفرة ما تقدم من ذنبهم وما تأخر- غارقين في الفساد اتِّكالًا على أَّن ذنوبهم تمحى أولًا بأوَّلٍ بسحر الصَّكِّ الذي ابتاعوه، وحين يرون السُّلطان الطاغي الذي تحصل عليه الكنيسة بأموالها المُكَدَّسَةِ التي أصبحت بها أغنى من الملوك وأمراء الإقطاع ينصرف إلى مزيد من الطغيان ومزيد من الظلم ومزيد من التحكم في رقاب العباد وعقولهم وأفكارهم..
حين يرون ذلك كله فلا شَكَّ أنَّهم ينفرون في النِّهاية وينسلخون من الدِّين الذي يُنْتِجُ كل تلك الأفاعيل!
يقول ويلز في كتاب “معالم تاريخ الإنسانية”:
“ولقد قضت – أي: الكنيسة – على هيبتها بعدم مراعاتها لتعاليمها ذاتها الدَّاعِيَةِ إلى الصَّلاح والبر. وقد سبق أن تكلمنا عن نظام التَّحِلَّةِ(8)، وكان خاتمة حماقاتها في القرن السادس عشر بيع “صكوك الغفران” التي بها يمكن افتداء الرُّوحِ من عذاب المطهر بدفعة مالية. على أن الرُّوحَ التي دفعتها “أي: دفعت الكنيسة” آخر الأمر إلى هذه الفعلة المتبجحة التي كانت نكبة عليها، كانت واضحة ملحوظة من قبل في القرنين الثاني عشر والثالث عشر”(9).
__________
1 محاضرات في النصرانية ص194.
2 يترك فراغ يكتب فيه اسم “المغفور له” كما تملأ الاستمارات في المصالح والدَّواوين!

3 كتاب المسيحية تأليف أحمد شلبي ص214.
4 سورة الزمر: 3.
5 سورة البقرة: 270.
6 سورة التوبة: 102-104.

7 سورة التوبة: 80.

8 نظام التحلة نظام كان البابا بمقتضاه يعفي نفسه من التزام الأوامر والنَّواهي التي تفرضها الكنيسة ذاتها على رعاياها! وقد أشار إليه ويلز في فصل سابق فقال “ص896”: وثمة دعوى أخرى ادَّعتها الكنيسة كانت هي أيضًا أكثر سرفًا وبعدًا عن الحكمة هي قولها بأنَّ لها “حق التحلة”. ومعنى ذلك أنَّ البابا كان يستطيع في كثير من الأحيان أن يهمل قوانين الكنيسة في حالات فردية خاصة..”.
9 ج3، ص905، 906.

سادسًا: محاكم التفتيش

يقول “ول ديورانت” بعد أن يُعَدِّد مباذل البابوات وانحرافات رجال الدِّينِ في النَّصِ الذي أشرنا إليه آنفًا: “وإذا ما عفونا عن بعض هذا الشُّذوذ الجنسي والانهماك في ملاذ المأكل والمشرب فإنَّنا لا نستطيع أن نعفو عن أعمال محاكم التفتيش”(1).. ولهذه الشَّهادة دلالتها في استفظاع تلك الأعمال التي كانت تقوم بها محاكم التفتيش، ذلك أن الأعمال التي سمح “ول ديورانت” لنفسه أن يعفو عنها هي في الحقيقة أعمال لا تغتفر من الرِّجال الذين -في زعمهم- وهبوا أنفسهم لنشر العقيدة التي يؤمنون بها وتثبيت أركانها في الأرض.. فكيف بالأعمال التي لم يجد في نفسه القدرة على العفو عنها، وهو بهذه الدَّرَجة من التَّسَاهُلِ فيما وقع من رجال الدِّينِ من انحرافات؟!
الحقيقة أنَّها كانت أبشع من أن يعفو عنها أحد في قلبه ذرة من مشاعر الإنسانية.
يقول ويلز:
“شهد القرن الثالث عشر تطور منظمة جديدة في الكنيسة هي “محكمة التفتيش البابوية”. ذلك أنه جرت عادة البابا قبل ذلك الزمان بأن يقوم في بعض الأحيان بتحقيقات أو استعلامات عن الإلحاد في هذا الإقليم أو ذاك، ولكن “إنوسنت الثالث” وجد الآن في عقد الرهبان الدومينيسكيين الجديد أداة قوية للقمع، ومن ثَمَّ نُظِّمَت محاكم التفتيش كأداة تحقيق مستديمة تحت إدارتهم. وبهذه الأداة نَصَّبَتْ الكنيسة نفسها لمهاجمة الضمير الإنساني بالنار والعذاب، وعملت على إضعافه مع أنَّه مناط أملها الوحيد في السيادة على العالم.. وقبل القرن الثالث عشر لم تنزل عقوبة الإعدام إلا نادرًا بالملاحدة والكفار. فأمَّا الآن فإنَّ كبار رجال الكنيسة كانوا يقفون في مائة ساحة من ساحات الأسواق في أوروبا ليراقبوا أجسام أعدائها -وهم في غالبية الأمر قوم فقراء لا وزن لهم- تحترق بالنار وتُخْمَد أنفاسهم بحالة محزنة، وتحترق وتُخْمَد معهم في نفس الحين الرسالة العظمى لرجال الكنيسة إلى البشرية فتصبح رمادًا تذروه الرياح”(2).
وينبغي أن نلاحظ هنا أنَّ الكاتب الذي ينفطر قلبه أسىً على ضحايا محاكم التَّفْتِيش من المسيحيين لا يذكر كلمة واحدة عن الفظائع البشعة التي ارتكبتها محاكم التفتيش في الأندلس وهي تطارد المسلمين لتطرد الإسلام نهائيًا من أسبانيا.

وقد كانت تلك الفظائع أفظع ما عرفه التاريخ كله من ألوان الوحشية البربرية، التي تعد أعمال محاكم التفتيش في أوروبا المسيحية -على شناعتها- هينة لينة بالنسبة إليها، وبالنسبة لأدوات التعذيب الخاصة التي استخدمت فيها، في الوقت الذي كانت أوروبا تعلم أنها مدينة للأندلس الإسلامية بكل ما كان في حوزتها يومئذ من علم يعتد به، بل مدينة بنهضتها كلها إلى القيم والمبادئ الحضارية التي تعلمتها من هناك.
ونعود بعد هذه الملاحظة إلى ويلز، ليشرح لنا العوامل التي حدت بالكنيسة إلى اتخاذ العنف ضد أعدائها:
“فأصبح قساوستها وأساقفتها على التَّدريج رجالًا مكيفين وفق مذاهب اعتقاديات حتمية وإجراءات مقررة وثابتة.. ولم تعد لهم بعد رغبة في رؤية مملكة الرَّب موطدة في قلوب الناس. فقد نسوا ذلك الأمر، وأصبحوا يرغبون في رؤية قوة الكنيسة التي هي قوتهم هم، متسلطة على شئون البشر. ونظرًا لأنَّ كثيرًا منهم كانوا على الأرجح يُسِرُّون الرِّيبة في سلامة بنيان مبادئهم الضَّخم المحكم وصحته المطلقة لم يسمحوا بأية مناقشة فيه. كانوا لا يحتملون أسئلة ولا يتسامحون في مخالفة، لا لأنَّهم على ثقة من عقيدتهم، بل لأنَّهم كانوا غير واثقين فيها..
“وقد تجلى في الكنيسة عندما وافى القرن الثالث عشر ما يساورها من قلق قاتل حول الشُّكُوك الشَّديدة التي تنخر بناء مُدَّعَيَاتِها بأكمله، وقد تجعله أثرًا بعد عين. فلم تكن تستشعر أي اطمئنان نفسي. وكانت تتصيد الهراطقة في كل مكان، كما تبحث العجائز الخائفات -فيما يقال- عن اللصوص تحت الأَسِّرَةِ وفي الدَّواليب قبل الهجوع في فراشهن”(3).
بهذا الهزال المتفشي في كيانها، والقلق المُسْتَسِرّ في أعماقها من بدء يقظة العقل بعد طول سبات راحت تكيل الضربات المجنونة لكل من يسألها ويناقشها، أو من يخيل إليها أنَّه سيسألها ويناقشها، لتحاول أن تدفع عن نفسها المصير الأسود الذي كان ينتظرها على بعد خطوات من الزَّمن غير بعيد.. وينبغي أن نقرر هنا ما كان للإسلام من أثر عميق في تلك اليقظة التي فزعت منها الكنيسة، فما كان أي عقل يقترب من الثقافة الإسلامية والحياة الفكرية الإسلامية ليرضى أن يظلَّ عبدًا لذلك الطُّغيان الفكرى والرُّوحي الذي تمارسه الكنيسة أو يتقبل تُرَّهَاتِها بلا مناقشة. وسواءٌ اعترف المؤرخون الأوربيون بهذا الأثر أم لم يعترفوا “والمنصفون -وهم قلة- يعترفون” فلنعد إلى ويلز مرة أخرى يفسر لنا تلك الحالة النفسية التي ساورت الكنيسة ضد أي لون من المعرفة يأتي من مصدر غير مصادرها.
“كان هذا التَّعصب الأسود القاسي روحًا خبيثًا لا يجوز أن يخالط مشروع حكم الله في الأرض. وإنَّه لروح يتعارض تمامًا مع روح يسوع النَّاصري، فما سمعنا قط أنَّه لطم الوجوه أو خلع المعاصم لتلاميذه المخالفين له أو غير المستجيبين لدعوته، ولكن البابوات كانوا طوال قرون سلطانهم في حنق مقيم ضد من تُحَدِّثُه نفسه بأهون تأمل في كفاية الكنيسة الذِّهْنِيَّة.
“ولم يقتصر تعصب الكنيسة على الأمور الدينية وحدها. فإنَّ الشيوخ الحصفاء المولعين بالأُبَّهَة السَّريعي الهياج الحقودين، الذين من الجَلَيِّ أنَّهم كانوا الأغلبية المتسلطة في مجالس الكنيسة، كانوا يضيقون ذرعًا بأية معرفة عدا معرفتهم، ولا يثقون بأي فكر لم يصححوه ويراقبوه، فَنَصَّبوا أنفسهم للحَدِّ من العلم، الذي كانت غيرتهم منه بادية للعيان، وكان أي نشاط عقلي عدا نشاطهم يُعَدُّ في نظرهم نشاطًا وقحًا”(4).
وأيا كانت الأسباب فقد كانت محاكم التفتيش وما صحبها من الفظائع عميقة الأثر في الحس الأوروبي، وسيئة النتائج بالنسبة للحضارة الجاهلية التي انبثقت في أوروبا منذ عهد النَّهضة.. لقد أصبح عداء “الدِّينِ” المتمثل هناك في الكنيسة ورجالها أمرًا “لازمًا” لكل صاحب فكر حر أو ضمير حي.. لأن هذا العداء هو أبسط تعبير عن الثورة ضد الذُّلِ والمهانة التي تفرضها الكنيسة على الكرامة الإنسانية كما تفرضها على العقل الذي خلقه الله ليفكر لا ليُمْتَهَن بالحبس في داخل سدود وقيود ما أنزل الله بها من سلطان، إنَّما هي من صنع بشر يبدو للعقول المفكرة مدى تفاهة تفكيرهم وعجزهم، وغطرستهم الطاغية في ذات الوقت. ولئن كان كل ما ارتكبته الكنيسة من الخطايا كان جريمة في حق الدِّينِ، فإنَّ هذه الخطيئة البشعة كانت ولا شَكَّ من كبريات الجرائم التي سجلها التاريخ.
__________
1 قصة الحضارة ج “ص86”.
2 معالم تاريخ الإنسانية ج3- ص908، 909.

3 المصدر السابق “ص902، 903”.

4 المصدر السابق ص905.

سابعا: مساندة الكنيسة للظلم السياسي والاقتصادي والاجتماعي

المتمثل في الإقطاع

أصبحت الكنيسة -بفضل الهبات والإتاوات والعشور والهدايا والغصب والنهب والتدليس وغير ذلك من الوسائل- أصبحت من ذوات الإقطاع. بل كانت أملاكها في بعض الأوقات تفوق أملاك الأباطرة وأمراء الإقطاع.
ومن ثَمَّ فقد تَحَدَّد موقفها من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فوقفت في صَفِّ الظُّلم تسانده وتذود عنه وتحارب حركات الإصلاح! وكانت في ذلك منطقية مع وضعها باعتبارها من كبار الملاك!
فهل كان يمكن -عقلًا- أن تحارب الإقطاع وهي جزء منه، بل من أكبر مُمَثِّلِيه؟!
ولقد بدأت أوروبا تتململ من رقدتها -بعد احتكاكها بالعالم الإسلامي- وتطلب الإصلاح.
وقد كان احتكاكها بالعالم الإسلامي عن طريقين عظيمين وشديدي التأثير: أحدهما الاحتكاك السلمي بطلب العلم في مدارس المسلمين في الأندلس والشمال الإفريقي وصقلية وغيرها من الأماكن القريبة من أوروبا، والآخر الاحتكاك الحربي في الحروب الصليبية في المشرق الإسلامي.
وفي كلا الاحتكاكين تفتحت عيون أوروبا على عالم مختلف كل الاختلاف عن عالمها، لا من ناحية العلم والحضارة فقط، بل من حيث القيم والمبادئ وآفاق الحياة وآفاق التفكير.
فأما العلم فمعروف أن أوروبا بدأت نهضتها بالتتلمذ على علوم المسلمين.. ودعك من المكابرة الأوروبية المغرورة التي تقول إن المسلمين لم يكن لهم فضل في ذلك إلا الاحتفاظ بعلوم الإغريق في الفترة التي غفلت فيها أوروبا عنها في عصورها المظلمة، فلما استيقظت أوروبا -كأنما استيقظت من ذات نفسها!! – استردت بضاعتها القديمة وانطلقت -منها- تبني حضارتها!

دعك من هذه المكابرة؛ لأن الواقع لا يسندها. وتكفي شهادة “روجر بيكون” التي قال فيها: “من أراد أن يتعلم، فليتعلم العربية”(1)!
كانت أوروبا تعيش في ظلمات الإقطاع.. وما أدراك ما ظلمات الإقطاع!
أمير الإقطاعية هو الحاكم المطلق في إقطاعيته.. لا قانون إلا قانونه.. هو السُّلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية كلها في آن. هو المالك لكُلِّ شَيْءٍ والباقون عبيد.. إمَّا عبيد السَّيد وإمَّا عبيد الأرض يورثون ويباعون ويشترون، وينتقلون -مع الأرض- من سيد إلى سيد، لا يملكون حَقَّ الانتقال من إقطاعية إلى إقطاعية ولو كان يفصل بينهما سور واحد! عليهم كل ثقيل من التَّبِعَات وليس لهم شَيْءٌ يذكر من الحقوق!
فأمَّا الحقوق السياسية فلا نصيب لهم منها على الإطلاق ولا يفكر أحدٌ ولا يتصور أحدٌ، أن يكون لهم مشاركة في السياسة من قريب ولا من بعيد.. وكيف يشاركون؟ وأين هم حتى يشاركوا؟! إنَّهم قابعون هناك -في الإقطاعية- في بيوتهم الريفية القذرة، على استعداد أبدًا لخدمة سيدهم أمير الإقطاعية، والشَّرَفُ لأحدهم أن يندبه الأمير لخدمة خاصة غير بقية الأصفار الآدمية التي تمتلئ بها الإقطاعية، فذلك تمييز وتكريم أي تكريم!

وكان الإقطاعي بدوره يقوم “برعاية” هذه القطع الآدمية المتناثرة في أرضه!
فهو يشهد أفراح زفافهم ويستخدم -في كثير من الأحيان- حَقَّ الليلة الأولى، أي: حق الخلوة بالعروس ليلة عرسها، قبل أن يتسلمها زوجها! وبذلك يعيش هو في عرس دائم متجدد ويتسلم العبيد فضلاته!
وهو يطحن لهم غلالهم في مطحنه وهو المطحن الوحيد المصرح به في القرية، لقاء أجر يحدده هو على مزاجه، وكذلك يعصر لهم كرومهم في معصرته، ليشربوا … وينسوا!
كما أنَّه يدافع عنهم ضد أي هجوم من أمير آخر -وما أكثر ما يحدث الهجوم- وذلك بتجنيدهم ودفعهم إلى القتال.. ليموتوا!
كما يفرض عليهم من الضَّرائب ما يرتاح إليه ضميره، وما يستريح ضميره حتى تمتلئ خزائنه، وما تمتلئ حتى تفرغ من جديد!
وهكذا تتنوع ألوان “الرعاية” التي يقدمها لهم.. له منها كل حلوة ولهم العذاب..

وحين كانوا في هذه الظلمات، احتكوا بالمسلمين، سواءٌ الاحتكاك الحربي أو السَّلمي الذي استمر عدة قرون؛ وجدوا عند المسلمين “دولة” منظمة، يحكمها حاكم يعاونه معاونوه ويخضع النَّاس لحكمه سواسية على درجة واحدة من الخضوع. وكان هذا شيئًا جديدًا عليهم، فقد كانت لديهم “دولة” نعم ولكنهم لا يتصلون بها -وأنَّى لهم؟ – ولا تتصل هي بهم إلا من خلال أمراء الإقطاع، وأمراء الإقطاع هم حكامهم الحقيقيون المباشرون، وليس لرئيس الدَّولة سُلطان عليهم فيما يفعلون في إقطاعياتهم، إنَّما سُلطانه عليهم محصور في المال الذي يطلبه منهم -فيأخذونه هم من دماء فلاحيهم، وتبقى خزائنهم الخاصة لا تمس- وفي المُجَنَّدِين الذين يطلبهم منهم إذا قامت الحرب -وكثيرًا ما تقوم- فيقدم الإقطاعي ما استطاع من دماء فلاحيه لكي يرضى الملك أو الإمبراطور عنه، ويدع يده مطلقة بعد ذلك يفعل بعبيده وأقنانه(2) ما يشاء.
ووجدوا قضاءً مُنَظَّمًا.. أي: قضاة يحكمون بين الناس فيما شجر بينهم، يُعَامَل الناس أمامهم على السَّوِيَّة، ويملك الإنسان إذا شاء أن يختصم إلى ذلك القضاء مع واليه أو رئيسه أو من يكون من خصمائه فيحكم القاضي بما يرضي ضميره هو لا بهوى السُّلطان.
ووجدوا شريعة حاكمة.. شريعة ليست هي هوى الإقطاعي.. إنَّما هي شرائع ثابتة يضبطها الكتاب الذي أنزلت به ويضبطها اجتهاد فقهاء الأمة -وهم ليسوا طرفًا في خصومة مع أحد بعينه، وليسوا حكامًا يجورون. بالسُّلْطان- وإنَّما هم مجتهدون يفسرون الَّنص القرآني ويستنبطون الأحكام منه، أو يقيسون عليه، أو يبحثون عن المصلحة “العامة” لا الخاصة فيما يجتهدون به من الأحكام.
باختصار وجدوا الإسلام..
وقد كان كُلُّ شَيْءٍ وجدوه جديدًا بالمرة عليهم، فقد كان الذي يعرفونه من قبل هو ذلك الطاغوت الذي يحكمهم فيكون هو الخصم والحكم وهو المُشَرِّع والقاضي والمنفذ.. وهو الذي يتصرف فيهم بلا مراجع.. لا يسأل عما يفعل وهم يسألون!
كان ذلك هو الذي استجاش أوروبا لتتمرد على هذا الظَّلام الشَّامل أو الفساد الشَّامل الذي تعيش فيه.. وتطلب الإصلاح.
وكان الإقطاع -بكل ما يشتمل عليه من ظلم سياسي واقتصادي واجتماعي- هو الهدف الأول لمحاولات الإصلاح. وإن كان طلب الإصلاح الذي نشأ من الاحتكاك بالمسلمين شاملًا في الحقيقة كل ميادين الحياة.
عندئذ بدأت أصوات المصلحين تتتابع، ثم بدأت أنات خافتة تسمع من أفواه “الكادحين”.
__________
1 انظر كتاب “تجديد الفكر الديني في الإسلام” تأليف محمد إقبال ترجمة عباس محمود ص148 من الترجمة العربية.
2 القن هو عبد الأرض، تحرر من عبودية السيد ولكنه ما زال عبدًا للأرض لا يملك مغادرتها.

الخلاصة:
حين يستعرض الإنسان هذا التاريخ الحافل بالمخازي والخطايا والأخطاء.. من طغيان روحي وفكري ومالي وسياسي وعلمي، وفساد خلقي، وانحراف فكري وسلوكي، ومساندة للظلم في جميع ألوانه، وتخذيل للمصلحين وتخدير للمظلومين، وصد عن سبيل الله، وتشويه لصورة الدين.. هل نعجب من النهاية التي وصلت الأمور إليها من انسلاخ الناس في أوروبا من ذلك الدين ونفورهم منه، وثورتهم على رجاله وإبعادهم له عن كل مجالات الحياة؟
إن الفطرة البشرية لتثور على الظلم وتمجه ولو احتملته عدة قرون!
وهذا البطء في قيام رد الفعل هو الذي يغري الطغاة بالاستمرار في طغيانهم، ظانين أن الأمور ستظل في أيديهم أبدًا، وأنها غير قابلة للتغيير.
ولكن عبرة التاريخ قائمة لمن يريد أن يعتبر.. وما يعتبر إلا أولو الألباب. أما الطغاة مطموسو البصيرة فأنى لهم أن يعتبروا؟!
وهذا البطء في قيام رد الفعل هو الذي أغرى كذلك بعض “العلماء” أن يقولوا إنه لا توجد فطرة للإنسان! وإنَّ الإنسان ليس له قالب محدد. وإنَّما هو يُصَبُّ في أي قالب يراد له فيتشكل بشكله، ويظل قابعًا فيه حتى يُصَبُّ في قالب جديد(1).
ولله في خلقه شئون. وتركيبه للنفس الإنسانية على الصورة التي ركبها عليها فيه حكمة ولا شك.. ولكنا نتحدث هنا عن الواقع التاريخي ودلالاته.
إن النفوس تخضع لجبروت الطغيان خوفًا وطمعًا في أول الأمر؛ لأنَّ الطغاة يحمون جبروتهم بشتى وسائل الحماية من ترغيب وترهيب.. ثم تتبلد النفوس من جهة، ويأخذ الطغيان صورة الأمر الواقع من جهة، فيستقر في الأرض فترة تطول أو تقصر، هي التي يتخيل الطغاة فيها أنهم باقون أبدًا، مسيطرون أبدًا، لا يمكن زحزحتهم ولا تبديل الأحوال التي مكنت لهم في الأرض.
ثم تبدأ نفوس تتململ.. هي أكثر وعيًا وأكثر حساسية أو أصلب عودًا أو أكثر مخاطرة.. أو ما يكون من الأسباب؛ وهنا يلجأ الطغاة إلى جبروتهم مرة أخرى، ويستخدمون وسائل الإرهاب لوقف هذه الظاهرة “المنكرة” عن الانتشار، وتأديب الخارجين لكي يكونوا عبرة للآخرين.
ثم يكون هذا ذاته هو بدء النهاية! يشتد الجبروت وتتولد مقاومة متزايدة له في داخل النفوس بمقدار ما يشتد ويمعن في الطغيان.
وفي لحظة معينة يحدث الانفجار.. ويكون كالطوفان!
{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (2).
ولقد بدأت نذر الثورة على الكنيسة ورجال الدِّينِ، وعلى الدِّينِ المزيفِ الذي تقدمه الكنيسة، بدأت منذ عصر النَّهضة. وبدأ الكتاب يتمردون على سلطان الكنيسة الطاغي ويهاجمون رجال الدين، بل يهاجمون كذلك خرافات هذا الدين الكنسي ومعمياته.
ولكنها كانت أصواتًا متناثرة، فظنَّ القوم أنَّهم قادرون عليها وعلى إسكاتها.
ولكن سنة من سنن الله كانت تجري، وما يستطيع أحد أن يوقف سنة الله عن الجريان.
كانت هذه الأصوات تهز النَّائمين ليصحوا.. تزيل عنهم تبلد نفوسهم.. وتزيل ثقلة “الأمر الواقع” من حسهم، وتشعرهم أن التغيير ممكن، وأن هذا الأمر الواقع ليست له صفة الخلود، ولا هو كذلك في منعة من النقد والتجريح. وبذلت الكنيسة جهدها في محاولة إسكات هذه الأصوات، مستخدمة في ذلك نفوذها على قلوب الناس وعقولهم وأرواحهم، وسلطانها “التقليدي” الذي كانت تأمر به فتطاع، وينظر إلى كلمتها على أنها موضع التقديس.. لأنها مرتبطة في حس الجماهير بالدين.. وما أعظم سلطان الدين على النفوس. كما استخدمت محاكم التفتيش حين اشتد فزعها وخافت على ما في يدها من السلطان.
ولكن رويدًا رويدًا زادت الأصوات عددًا، وزادت جرأة، وزادت استخفافًا بالجبروت.
علماء.. ومفكرون.. وفلاسفة.. ومصلحون.. وحاقدون! حاقدون على سلطان الكنيسة الطاغي وما تتمتع به من المزايا بغير استحقاق..
وكانت العملية بطيئة.. بطيئة.. بطيئة..!! فقد كان حجم الطغيان هائلًا مخيفًا، وكان له في الأرض تمكن طويل يبلغ عدة قرون. ولكن في النهاية حدث الانفجار!
وكان بشعًا في شدة انفجاره، بشعًا في سرعة اكتساحه، بشعًا في قسوة الحمم الذي تفجر من بركانه.
كانت الثورة الفرنسية بكل ما تضمنت من ألوان العنف والبطش والقتل وإسالة الدماء..
واكتسحت الثورة الفرنسية في طريقها ما كان قد تراكم من المظالم خلال ألف وأربعمائة عام! وأزالت الطبقتين الحاكمتين الطاغيتين المتحالفتين! رجال الإقطاع “الأشراف! ” ورجال الدين!
ومع ذلك فإن الأمور -في تلك الثورة- لم تسر في مسارها الطبيعي.. فعلى الرغم من كل الظلم المتراكم أكثر من ألف عام، من الإقطاعيين ورجال الدِّين سواء، وعلى الرَّغم من كل الحقد المشحون في الصُّدور تجاه هاتين الطبقتين، وعلى الرَّغم من وحشية الجماهير حين تتولى هي القيادة.
على الرَّغم من ذلك كله فقد كان يمكن أن تَسِيرَ الثَّورةُ في تمردها وقضائها على الظالمين مسارًا آخر.. لولا أنَّ يدًا خبيثةً تدخلت لتتجه بالثورة في مسار معين، يخدم أغراضها هي قبل كل شَيْءٍ آخر. سواء خدم أو لم يخدم أهداف الآخرين! تلك هي يد اليهود..

__________
1 سنناقش هذا الزعم فيما بعد، عند الحديث عن التفسير المادي للتاريخ.
2 سورة الرعد: 41.

                            التمهيد الثاني: دور اليهود في إفساد أوربا

مدخل

اليهود لا ينشئون الأحداث كما يزعمون لأنفسهم وكما يتوهم الذين تبهرهم سيطرة اليهود في الوقت الحاضر.
ولكن لا شَكَّ أنَّهُم يجيدون انتهاز الفرص واستغلالها لتنفيذ مخططهم الشِّرير.
ولحكمة ما أخرج الله هذه الأمة وناط بها دورًا تؤديه في التاريخ.
ومشكلة هذه الأمة كامنة في جِبِلَّتِها المنحرفة التي لا تستجيب لدَوَاعِي الخير ولا تستقيم على الهدى ولا تشرق روحها ببارقة من نور..
جحدوا فضل الله عليهم، وجحدوا أنبياءهم، وجحدوا كُلَّ فَضْلٍ قدمه إليهم أحدٌ من البشر.. وقابلوا كل ذلك بإنكار الجميل أو الطمع والجشع والحسد وقساوة القلب.
كرهتهم كل الأمم لخصالهم تلك، فانطووا على أنفسهم، يملأ نفوسهم الحقد الدَّفِينِ على الأمم كلها، يريدون أن يقضوا على كل شعوب الأرض ليبقوا هم وحدهم، أو يريدون أن يستعبدوا الأمم كلها ويسخروها لمصالحهم.
وعقدتهم الكبرى أنَّهُم “شعب الله المختار”، ومن ثم فينبغي أن يكون بقية البشر خدمًا وعبيدًا لهم، ويكونوا وحدهم هم المسيطرين.
ولقد اختارهم الله حقَّاً ذات يوم وكانوا شعب الله المختار. ولكنهم عند الابتلاء سقطوا، وجحدوا تلك النعمة الهائلة فَلَمْ يَرْعَوْهَا حق رعايتها، بل لَمْ يَرْعَوْهَا بِشَيْءٍ على الإطلاق! {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} (1).
فهل ذكروا؟! {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} (2).
فلما اختار الله بني إسرائيل فقد اختارهم للابتلاء: {وَآَتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآَيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ} فكانت نتيجة الابتلاء هي هذا التاريخ الأسود الذي اقترفوه في الأرض، والظلم الذي أنذرهم الله أن يرفع عنهم العهد بسببه ولا يبقيه في أيديهم.. ونزع العهد منهم بالفعل تحقيقًا لوعد الله لإبراهيم، وتحقيقًا لسنة الله الجارية التي لا تتغير ولا تتبدل ولا تحابي أحًدا من البشر. نزع العهد عن “شعب الله المختار” فلم يعد مختارًا بعد، ومنح الله فضله ونعمته لأمة أخرى هي التي قال لها: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (3).
واشتد الحسد والحقد منذ ذلك الحين: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} (4).
ولقد جهدوا جهدهم كله لمحاولة القضاء على الأمة الإسلامية في مهدها، حتى يئسوا فانكمشوا إلى حين.
ولكن حقدهم ظل معهم، بل ظل يتزايد على طول الزَّمان وزاد تصميمهم الخبيث على نشر الشَّرِّ في الأرض وسحق كل أمة عداهم.. حتَّى واتتهم الفرصة السَّانحة في العهد الأخير..
ولئن كان مخططهم هو استعباد البشرية كلها وسحقها تحت أقدامهم، ولئن كان الإسلام عدوهم الأول الذي يحقدون عليه الحقد الأشد، فما كانوا -حين بدءوا ينشطون نشاطهم الضَّاري في التَّاريخ الحديث- ما كانوا يجدون الفرصة السَّانحة للانقضاض على الإسلام، فبدءوا بأوروبا، إذ وجدوها أيسر منالًا لما كان في حياتهم من الثَّغرات التي أحدثتها الكنيسة بحماقاتها وخطاياها، فيسرت لليهود أن يخرجوا من أجْحَارِهِم (جمع جُحْرٍ) ويعيثوا فسادًا في الأرض.
والآن فلننظر كيف تحرَّك اليهود لتنفيذ مخططهم الشِّرِّير، انتهازا للفرصة السَّانحة واسْتِغْلالا للأحداث الجارية، لا إنشاء للأحداث كما يدَّعون عن أنفسهم، وكما يرسمهم من يُهَوِّل من مقدرتهم الشِّرِّيرة من أمثال “وليم كار” مؤلف الكتاب الشهير “أحجارٌ على رقعة الشَّطرنج” الذي ينسب فيه كل أحداث التاريخ لفعل اليهود!
يقول التَّلْمُود(5) لليهود: “الأمميون – أي: كل الأمم غير اليهود – هم الحمير (دَوَابُّ الحَمْلِ) الذين خلقهم الله ليركبهم شعب الله المختار، وكلما نفق منهم حمار ركبنا حمارًا آخر …
ثُمَّ يصف لهم التَّلْمُود كيف ينبغي لشعب الله المختار أن يعامل الأمميين!: “اقتل الصَّالح من غير الإسرائيليين. ومحرم على اليهودي أن يُنَجِّي أحدًا من باقي الأمم من هلاك أو يخرجه من حفرة يقع فيها؛ لأنَّه بذلك يكون حَفِظَ حياة أحد الوثنيين”(6).
وهذه التَّعاليم أكثر قداسة عندهم من التَّعاليم الواردة في كتاب الله المُنَزَّل، التي تدعو إلى البر والخير الذي لم يُطِيقُوه أبدًا ولم يُطَبِّقُوه في حياتهم أبدًا، إلا قليل منهم، وهذا هو الذي أشار إليه القرآن الكريم:
{وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (7).
فهم يدَّعون على الله أنَّه أذن لهم أن يعاملوا الأُمِّيين “وهم الأمميون في التَّعبير الآخر” على هذا النَّحو، وهم يعلمون أنَّهم يكذبون على الله، ثُمَّ يطيعون الكذب الذي يعلمون كذبه، ويُعْرِضون عن الصِّدْق الذي يعلمون أنه الحق!
وإذ كان مخططهم هو استعباد البشرية و”استحمارها” وتسخيرها لمصالحهم، فقد علموا أن أنجح الوسائل لذلك هي نزع عقائد الأممين وإفساد أخلاقهم.
تقول البروتوكولات: “يجب علينا أن ننزع فكرة الله ذاتها من عقول غير اليهود، وأن نضع مكانها عمليات حسابية وضرورات مادية”(8). “ومن المسيحيين أناس قد أضلتهم الخمر وانقلب شبابهم مجانين بالكلاسيكيات والمجون المبكر الذي أغراهم به وكلاؤنا ومعلمونا وخدمنا، ونساؤنا في أماكن لهوهم والرَّاغبات من زملائهن في الفساد والتَّرف”(9).
وهذا هو المخطط الشرير.
منذ بدء “النهضة” وجدت الثغرات التي تمناها اليهود وجلسوا في انتظارها عِدَّةَ قرون. فقد قامت تلك النهضة منذ مبدئها على أسس إغريقية رومانية غير مسيحية، بل إنَّها في الواقع قامت على أسس مضادة للمسيحية معادية لها، وإن كانت لم تستطع أن تخوض المعركة الحاسمة مع المسيحية إلا بعد ذلك بأجيال، ظلت الكنيسة خلالها ذات نفوذ واسع على الجماهير على أقل تقدير.
ويوما بعد يوم كانت تقترب اللحظة التي يمكن أن ينهار فيها سلطان الكنيسة ويصبح دينها الذي فرضته على الناس عديم السلطان أو ضعيف التأثير.
وفي الثورة الفرنسية وقع ذلك الانفجار الحاد، الذي دَوَّى في أرجاء أوروبا كلها فأوْدَى بالإقطاع وزلزل كيان الدِّينِ.
ومع ذلك فقد كان من الممكن أن تسير الثورة في مسار آخر لو لم يتدخل ذلك العنصر الشرير في توجيه الأحداث وجهة معينة تخدم أهدافه الخاصة بصرف النظر عن أهداف الثائرين!
كانت أهداف الثائرين هي القضاء على ذينك الحليفين الطاغيين المستبدين:

رجال الإقطاع “الأشراف!” ورجال الدِّينِ. وكان الإقطاع شرًا خالصًا فكان ينبغي أن يزول، وكان الدِّينُ الذي تقدمه الكنيسة وتطغى به على الناس يحوي بعض الحقائق وكثيرًا من الأباطيل، فكان يمكن أن تصحح أباطيله، ويستبدل به الدين الحق، الخالي أساسا من الأباطيل.
ولكن اليهود حين دخلوا في الأمر لم يدعوا الفرصة لتصحيح الدِّينِ.. وإنما اهتبلوها فرصة سانحة لتحطيم الدين! وهذا هو الدور الحقيقي الذي لعبوه في الثورة الفرنسية، لا أنهم هم الذين أنشئوها كما يزعمون في البروتوكولات، ويتابعهم في زعمهم وليم كار في كتاب الأحجار.
حقيقة إن المحافل الماسونية المنتشرة في فرنسا في ذلك الوقت هي التي قامت بالتحضير للثورة، وهي التي رفعت شعاراتها الخاصة -الحرية والإخاء والمساواة- شعارات للثورة الفرنسية، على غير وعي من “الأمميين” الذين قاموا بها! وإن بعض الخطباء من اليهود اشتركوا في إلهاب حماسة الجماهير وتفجير الغضب المكبوت.. ولكن هل كان في طوق اليهود -مهما فعلوا، ومهما تكن براعتهم الشريرة- أن يشعلوا الثورة لو لم تكن خاماتها موجودة في النفوس ومستعدة للاشتعال؟!
أما دخول اليهود في الثورة فقد كان لتحقيق هدفين كبيرين من أهدافهم الخاصة: أحدهما كانت الثورة تتجه إليه من تلقاء ذاتها، والثاني كانت وجهة الثورة فيه تُيَسِّر لهم الوصول إلى هدفهم الخاص حين يستغلون الأحداث على طريقتهم الشريرة في استغلال الأحداث.
فأما الهدف الأول فقد كان تحطيم الإقطاع وهذا كان يوافق هدفا مرحليا خاصا لليهود.
وأما الهدف الثاني فقد كان تحطيم نفوذ الكنيسة ورجال الدِّينِ، وهذا الذي حوله اليهود -لحسابهم الخاص- إلى تحطيم لذَاتِ الدِّينِ.
كان لليهود أكثر من مصلحة في تحطيم الإقطاع، فلا عجب أن يدخلوا في الثورة التي رأوْهَا متجهة -من تلقاء نفسها- إلى تحطيمه.
كانت الثورة الصناعية تَدُقُّ الأبواب.. وكان اليهود يقدِّرون لأنفسهم فيها أرباحا طائلة عن طريق الإقراض بالرِّبا. فمنذ مولدها واحتياجها إلى المال لتمويل الصناعة الناشئة، سقطت فريسة في يد اليهود. وما تزال حتى هذه اللحظة في أيديهم.

كان المال الوفير الذي يصلح لتمويل الثورة الصناعية في يد طائفتين اثنتين في ذلك الحين: طائفة أمراء الإقطاع وطائفة المرابين من اليهود. فأما أمراء الإقطاع فقد رفضوا تمويل الصناعة الناشئة وأبوا أن ينقلوا أموالهم من دورتها الزراعية المألوفة لديهم، والمضمونة الربح لهم، إلى عملية جديدة لا يعرفونها، ولا يطمئنون إليها لعدم تمرسهم بها، خاصة وأن كثيرا من العمليات الصناعية كان يفلس في مبدأ الأمر بسبب نفص الخبرة أو عدم توفر الأسواق أو عدم وجود المواصلات الميسرة؛ أو عدم إقبال الناس على الأشياء المصنوعة بالآلة وتفضيل المصنوعات اليدوية عليها بحكم الألفة الطويلة، وعلى أساس أن استخدام المصنوعات الآلية سيمحق البركة من حياتهم؛ لأن فيه أصبعا من أصابع الشيطان!
عندئذ تقدم اليهود لتمويل تلك الصناعات مرحبين؛ لأنَّهم -على طريقتهم- لا يخسرون شيئًا سواء ربحت الصناعة أو خسرت أو أفلست إفلاسًا كاملًا، ذلك أَّنهم لا يشتركون اشتراكًا مباشرًا برءوس أموالهم، وإنَّما يقرضون أصحاب الصِّناعات بالرِّبا الفاحش مقابل ضمانات تضمن لهم رجوع أموالهم إليهم مع الفوائد المضاعفة دون أن يتعرضوا للخسائر التي كانت تتعرض لها الصناعة الناشئة في ذلك الوقت في كثير من الأحيان.
وفكرة المصرف “البنك” فكرة يهودية بحتة، تقوم على تشجيع الناس على إيداع أموالهم -أو ارتهانها- لديهم مقابل إعطائهم صكوكا بها، بينما يُشَغِّلون هم هذه الأموال في عمليات إقراض ربوية يربحون عن طريقها الكثير، فيعطون المودعين جزءا من هذه الأرباح ويستأثرون هم بمعظمها دون مخاطرة ولا جهد يذكر!
وهكذا أصبحت لليهود مصلحة أكيدة في قيام الثورة الصناعية لما تُدِّرُه عليهم من أرباح لم يكونوا ليحصلوا على مثلها من قبل من أمراء الإقطاع، بالإضافة إلى الجلوس في مقعد السَّيْطرة بدلًا من الذُّلِّ المهين الذي كانوا يعاملون به في عهد الإقطاع حتى وهم يقومون بإقراض المال للطالبين!
ولكن العقبة أمام الصناعة الناشئة لم تكن عقبة التمويل فحسب، وهي بالنسبة لهم لم تكن عقبة بل كانت مصدر ربح وفير، إنما كانت العقبة الكبرى هي توفير العمال اللازمين للصناعة.. ومن ثَمَّ كان لا بد من تحطيم الإقطاع لتحرير العبيد -عبيد السيد وعبيد الأرض- وتقرير “حق الانتقال” لكل من يريد، وهو حق لم يكن قائمًا في ظل الإقطاع. وهذا الهدف -وهو تحرير العبيد لتوفير العمال اللازمين للصناعة في المدن- لم يكن في حساب الثائرين ولا شَكَّ يوم قاموا بثورتهم العنيفة ضد مظالم الإقطاع، ولكنه كان هدفا واعيا للرأسمالية القائمة في أحضان اليهود منذ أول لحظة، أي: إنه كان هدفا واعيا في تخطيط اليهود، ومن أجله شاركوا في الثورة الفرنسية وقامت مؤسساتهم الماسونية لها بدور التَّحضير، أو التَّفجير!

أما الدِّينُ فلم تكن قصته كذلك.
كان الثوار ينقمون على رجال الدين طغيانهم الذي أذلوا به الناس عبر القرون، كما كانوا ينقمون عليهم مساندتهم لأمراء الإقطاع ضد دعوات التحرير من الظلم، وكانوا يريدون أن يتحرروا من ذلك الطغيان ومن تلك المساندة الظالمة للطغاة ولكنهم لو تركوا لأنفسهم دون تدخل الأشرار لتوجيه الثورة لحسابهم الخاص، فلربما اكتفوا بقتل من قتلوا من رجال الدِّينِ دون التوجه لقتل الدِّينِ ذاته، أو لربما طالبوا بالإصلاح الديني الذي يدع الناس أحرارا في عبادتهم ويزيل عن البابا ورجال الدين قداستهم ويصحح العقيدة من انحرافها وينفي الأباطيل والمعميات عنها.
ولكن التَّدبير اليهودي كان يسعى إلى تحطيم الدين في أوروبا جملة لتحقيق مرحلة من مراحل المخطط الشرير الذي يهدف إلى تجريد “الأمميين” جميعا من عقائدهم وأخلاقهم، لأجل “استحمارهم” والسيطرة عليهم، وتسخيرهم لشعب الله المختار. بالإضافة إلى الانتقال الشخصي من الدِّين الذي اضطهدهم واستذلهم على اعتبار أنَّهم قتلوا “الرَّبَّ” المعبود في ذلك الدِّين وصلبوه!
لذلك سعوا بجمعياتهم الماسونية المنبثة في أنحاء فرنسا، وبخطبائهم وكُتَّابِهِم إلى توجيه غضب الجماهير المجنونة نحو الدِّينِ ذاته لا نحو رجاله فحسب … وكان أن أعلنت في “فرنسا الثورة” أوَّلَ حكومة لا دينية في العالم المسيحي لا تجعل الدين أساسًا لأي شَيْءٍ في حياة الناس.
كانت الثورة الفرنسية حدثًا ضخًما في حياة أوروبا دون شك، لا للأسباب التي يُدَرِّسُونَها للأولاد في المدارس، ولكن لأسباب أخرى أخطر وأهم.. فقد أطلقت يد اليهود لتحقيق مخططاتهم الشريرة بصورة لم تكن متاحة لهم من قبل في عهد الإقطاع.. فقد ولد من جراء الثورة الفرنسية والثورة الصناعية التي كانت الأولى تحضيرًا وتمهيدًا لها، مجتمع جديد كُلِّ الجِدَةِ عن المجتمع الإقطاعي، استطاع اليهود أن يعيثوا فيه فسادًا بكل قُوَّتهم؛ لأنَّه ولد في أيديهم من اللحظة الأولى فاستطاعوا أن يُشَكِّلوه على النحو الذي يريدون، إذ كانوا هم -عن طريق البنوك والإقراض بالربا- ممولي الرأسمالية وسادتها المسيطرين عليها، والمسيطرين -من خلالها- على صياغة المجتمع الجديد بكل ما فيه من عقائد وتصورات وأفكار وسلوك.. وإذ كان “الأمميون” في أوروبا قد بدءوا ينسلخون من دينهم ويُسَلِّمُون قيادهم للشَّيْطان!
استطاع اليهود -بعبقريتهم الشريرة- أن يتسلموا قياد المجتمع الأوروبي الآخذ في الانسلاخ من دينه بتأثير انحرافات الكنيسة الأوروبية وجرائمها وخطاياها فينشئوا على أنقاض المجتمع الإقطاعي المنهار مجتمعا جديدا بلا دين ولا أخلاق ولا تقاليد.. وقد سلطوا على هذا المجتمع كل قواهم الشريرة لينشئوه على هذه الصورة، فوضعوه بين ذراعي كماشة هائلة تعصره عصرًا وتفتت كيانه وتحيله كيانًا مَمْسُوخًا مُشَوَّهًا بلا قوام!
إحدى ذراعي الكماشة كانت نظريات “علمية!” زائفة، تحارب الدين والأخلاق والتقاليد من كل زاوية مستطاعة، وكان أبرز “الأبطال” في هذه المعركة ثلاثة من “أساطين” اليهود هم: ماركس وفرويد ودركايم..

وأمَّا الذراع الأخرى للكماشة فكانت واقعًا فعليًا يقوم من أول لحظة على عداءٍ مع الدِّين والأخلاق والتَّقاليد، وكان اللاعب الأكبر في هذه العملية الضَّخْمة هو المرأة “المتحررة” اقتصاديًا، والمتحللة في ذات الوقت من سلطان الدِّينِ والأخلاق والتقاليد..
وفيما يلي نتحدث عن كل من الذِّرَاعَيْنِ الشريرتين، وآثارها في إفساد المجتمع الأوروبي.

__________
1 سورة الدخان: 30-33.

2 سورة البقرة: 47.
3 سورة النساء: 153-161.

4 سورة البقرة: 124.
5 التلمود هو كتاب اليهود “المقدس” غير المنزل، إنما هو من تأليف حكمائهم وله عندهم قداسة أكثر من الكتاب المنزل!!
6 الكنز المرصود ص 84، 85. د. روهلنج وآخر، ترجمة يوسف حنا نصر الله، بيروت.
7 سورة آل عمران: 75.
8 البروتوكول الرابع.
9 سورة المدثر: 50، 51.

3- النظريات العلمية:

داروين ونظرية التطور:

ليس داروين يهوديَّاً، فقد ولد لأبوين مسيحيين، ولكن اليهود استغلوا نظريته على نطاق واسع وعملوا على نشرها في الأرض لِمَا رأَوْهُ من إمكان الاستفادة بها في تحطيم عقائد الأمميين كما تقول البروتوكولات: “لقد رَتَّبْنَا نجاح نيتشه وداروين؛ وإنَّ تأثير أفكارهما على عقائد الأمميين واضحٌ لنا بكل تأكيد”.
فلا عجب إذن أن تجد نظريته تُدَرَّس في معظم مدارس الأرض لا على أنَّها “فرض علمي” – كما هي في حقيقتها – ولا حتَّى على أساس أنَّها “نظرية” علمية “أي: لم تثبت ثُبُوتًا قاطعًا يرشحها لأن تكون حقيقة علمية” بل على أنَّها حقائق نهائية في علم الحياة!
ولد داروين في بريطانيا عام 1809، وفي سنة 1859 أصدر كتابه في “أصل الأنواع”.
وقد كان مُتَخِصَّصًا في علم الحياة، وأدَّتْ به ملاحظاته العلمية إلى أن يكتشف أنَّه يمكن عن طريق “الانتخاب الصِّناعي” تأكيد صفات معينة أو إضعافها في النَّسْلِ النَّاتج من زَوْجَيْنِ منتخبين بصفات معينة، وأنَّه يحدث مثل ذلك في “الطبيعة” عن طريق الانتخاب الطبيعي، أي: التَّزَاوج الحُرِّ بين الكائنات الحية.. وأنَّ التغيير النَّاشِئ من هذا الانتخاب يمكن أن يصل إلى حَدِّ اسْتِحْدَاثِ صفات جديدة لم تكن في أي من الأبوين كطول المنقار في بعض الطيور، أو الألوان الزَّاهية في بعضها الآخر أو غير ذلك من الصِّفات.. فافترض أنَّ مثل هذه التَّغَيُّرَاتِ قد حدثت في “الطبيعة” من قبل خلال ملايين السنين من عمر الحياة على سطح الأرض، مِمَّا أدى على الدَّوام إلى ظهور “أنواع” جديدة وأدى كذلك -بتراكم التَّغيرات- إلى ظهور “أجناس” جديدة لم يكن لها وجود من قبل … ثُمَّ تَصَوَّر أنَّه من خلال هذه العملية التي سماها عملية “التَّطَوُّر” سارت الحياة في سلسلة طويلة من الرُّقي التَّدريجي بدأت بالكائن الوحيد الخلية وانتهت بالإنسان على النحو التالي “باختصار كثير من التَّفْصِيلات”(1).

فأمَّا الكنيسة فَقَدْ كَفَّرَت داروين ابتداء، وقالت عنه إنَّه زنديق مهرطق مارق من الدِّينِ؛ لأنَّه ينفي الخلق المباشر من الله للإنسان على صورته “تفسير الكنيسة كلمة”على صورته “الواردة في التوراة على أن الله قد خلق الإنسان على صورة نفسه -تعالى- أي: على صورة الله” بل ينفي يد الله من عملية الخلق كله كما ينفي الغاية والقصد لأنَّه يقرر أنَّ الحياة قد وجدت على الأرض بِالصُّدْفَةِ في ظروف معينة “لم تتكرر مرة أخرى”! وأنَّ تفسير الحياة وتطورها بإرجاعها للإرادة الإلهية يكون بمثابة إدخال عنصر خارق للطبيعة في وضع ميكانيكي بحت!
This would be to introduce a supernatural element in a completely mechanical position.
وقد جاوبها داروين من ناحيته باتهامها بالجهل والتَّخريف ومحاربة العلم بحقائقه ونظرياته.
وأمَّا العلماء فقد انقسموا إلى ثلاث فرق: فرقة تؤيد داروين وتتحمس له، وفرقة تعارضه وتندد به، وفرقة تحاول التَّوْفِيقَ بين ما تقوله النظرية وما يقوله الدِّينُ!
وأمَّا الجماهير فقد وقفت في مبدأ الأمر موقفًا حاسمًا مع الكنيسة ضد داروين! فقد عزَّ عليها أن يسلبها داروين إنسانيتها ويردها إلى أصل حيواني، وينفي التَّكريم الرَّباني الذي كرم به الله الإنسان حين خلقه على صورته، وزَيَّنَهُ بالعقل ومَيَّزَهُ بالقدرة على النُّطْقِ.. ولكنها رويدًا رويدًا بدأت تغير موقفها، وتعتنق أفكار داروين، وتتغاضى عن مسبة الحيوانية التي ألحقها بها في نظريته، بل بدأت تهاجم الكنيسة لموقفها من داروين وترى في نظريته مِعْوَلًا هدَّامًا يهدم ما بقي لها عليهم من سُلطان؟
هل تَمَّ هذا التَّحول في موقف الجماهير تلقائيًا أم كان وراءه ذلك العنصر الشرير؟
وهل كان يمكن -لولا ذلك التَّدخل الشِّرير- أن يتغاضى الناس عن إنسانيتهم المسلوبة وعن كرامتهم الملغاة، ويعتنقوا نظرية تقرر صراحة أنَّ الإنسان إنْ هُوَ إلا امتداد لسلسلة التَّطور الحيواني، لا قصد من خلقه ولا غاية، وما يزيد عن القردة إلا ما أضافه التطور خلال مئات الألوف من السنين من تغير عشوائي غير مقصود؟!
حقيقة أن “العلماء” هم الذين بدءوا باعتناق نظرية داروين، ثم تبعتهم الجماهير. ولكن هؤلاء وهؤلاء ما كانوا ليفعلوا ذلك لولا عنصران قائمان في الموقف، عنصران غير “علميين”: أحدهما موقف الكنيسة الطغياني من الأمور كلها ومن العلم والعلماء خاصة؛ والآخر هو الدِّعاية الضَّخمة التي قام بها اليهود للنظرية ولإيحاءاتها المصادمة للعقيدة بصفة خاصة.

إنَّ النظرية -بصرف النَّظَرِ عن صحتها أو عدم صحتها من الوجهة العلمية البحتة- لم يكن من الحتم أن تصاغ بالطريقة التي تُصَادِم العقيدة لولا ذلك الصِّراع القديم الذي قام بين الكنيسة والعلماء واستمر إلى وقت داروين وما بعده، وجعل “العلماء” يتعمدون تجريح الدِّينِ ورجاله انتقامًا مِمَّا فعلته الكنيسة من قبل، كما جعل أوروبا تهرب من إِلَهِ الكنيسة وتضع “الطبيعة” إِلَهَاً بدلًا منه!

فالنَّظرية التي تقرر حيوانية الإنسان وماديته “بمعنى أنَّ الظروف المادية المحيطة به هي التي أثَّرَت في “تطوره” وإعطائه صورته” والتي تنفي القصد والغاية من خلقه، وتنفي التَّكريم الرَّباني له بإفراده بين الكائنات الأخرى بالعقل والقدرة على الاختيار والقدرة على التَّمييز؛ فضلا عن المزايا الأخرى “الإنسانية”.
إنَّ نظرية كهذه يمكن أن تعطي إيحاءات خطيرة في كل اتجاه..
فحين يكون الإنسان حيوانا أو امتدادا لسلسلة التطور الحيواني فأين مكان العقيدة في تركيبه، وأين مكان الأخلاق وأين مكان التقاليد الفكرية والروحية والأخلاقية والاجتماعية.. إلخ؟!
وحين يكون حيوانًا أو امتدادًا لسلسلة التَّطور الحيواني، فما مقياس الخطأ والصَّواب في أعماله؟ وكيف يقال عن عمل من أعماله إنَّه حسن أو قبيح، جائز أو غير جائز.. بعبارة أخرى كيف يمكن إعطاء قيمة أخلاقية لأعماله؟
وحين يكون حيوانا أو امتدادا لسلسلة التَّطور الحيواني فما معنى “الضوابط” المفروضة على سلوكه؟ وما معنى وجود الضوابط على الإطلاق(2)؟
كل تلك إيحاءات يمكن أن تُسْتَخْرَج من النظرية لمن أراد أن يصطاد في الماء العكر! ولكنَّنا إذا نظرنا إلى الواقع وجدنا أن أحدًا لم يصنع ذلك سوى اليهود!! هم الذين استخرجوا هذه الإيحاءات كلها التي لم يقلها داروين، وربما لم يفكر فيها أبدًا، ولكنهم أسرعوا إلى اقتناصها، وأنشئوا منها نظريات “علمية” اقتصادية ونفسية واجتماعية … إلخ موجهة كلها لمحاربة الدِّين والأخلاق والتَّقاليد.
وكانت فكرة “التَّطور” ذاتها من أشَدِّ ما لعب به اليهود لزلزلة عقائد “الأممين” وتقويضها. فقد ضَخَّمُوا تلك الفكرة أيَّ تَضْخِيمٍ وصنعوا منها قذائف يطلقونها على كل معنى “ثابت” في حياة البشرية من دِينٍ أو قِيَمٍ أو أخلاق.

فالنَّظرية التي تقرر حيوانية الإنسان وماديته “بمعنى أنَّ الظروف المادية المحيطة به هي التي أثَّرَت في “تطوره” وإعطائه “صورته” والتي تنفي القصد والغاية من خلقه، وتنفي التَّكريم الرَّباني له بإفراده بين الكائنات الأخرى بالعقل والقدرة على الاختيار والقدرة على التَّمييز؛ فضلا عن المزايا الأخرى “الإنسانية”.
لقد كان الخلل الفكري في حياة أوروبا في ظل سيطرة الكنيسة الفكرية هو الذي رَشَّحَ للهزة التي أصابت هذا الفكر يوم أطلقت عليه فكرة التطور، فقد كان كُلُّ شَيْءٍ في حس أوروبا المسيحية الكنسية ثابتًا منذ الأزل وسيظل ثابتًا (إلى أن يشاء الله).. ليست فكرة الألوهية فقط هي التي ينطبق عليها تصور الثَّبات، ولا القيم الدِّينية والأخلاقية وحدها. ولكن الجبال والشَّجر والحيوان والطير. والأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. وكُل شيء في الحياة.
البابا هو البابا ذو القَدَاسَةِ (عندهم)، يذهب واحد ويجيء الآخر، ولكن البابوية ذاتها وقداستها (عندهم) أمر ثابت لا يتغير.
الملوك والأباطرة هم الملوك والأباطرة.. يذهب منهم من يذهب ويجيء من يجيء.. ولكن الملكية ذاتها أمر ثابت لا يتغير.
الإقطاع هو الإقطاع.. يذهب أمير ويجيء أمير.. بنفس الصُّورة، ونفس المعاملة، نفس السِّيادة من جهة والعبودية من الجهة الأخرى.. وكلها أمور ثابتة لا تتغير..
من ثَمَّ غلب على الفكر الأوروبي المسيحي الكنسي تصور الثَّبات في كُلِّ شَيْءٍ.
فلما وقعت الثورة الفرنسية وأزالت الإقطاع والملكية وزلزلت نفوذ الكنيسة كان ذلك حدثًا حادًا في تاريخ أوروبا أثَّرَ تأثيرًا عميقًا في كل اتجاه، ولكنَّه كان قمينا -بعد فترة من الزَّمن- أن يَفْقِدَ حِدَّتَه، ويستقر على صورة فيها لون من “الثَّبَاتِ”.
ولكن داروين جاء فأطلق قذيفته على أمر لم تهزه حتَّى الثورة الفرنسية ذاتها، التي زلزلت كثيرًا من الأوضاع في أوروبا، فقال: إنَّ الخلق ذاته غير ثابت، وإنَّ الإنسان لم يكن إنسانًا حين وجد أوَّل مرة بل كان شبيهًا بالحيوان! وبين الشَّدِّ والجذب الذي تعرضت له النظرية أمسك اليهود بالخيط فجذبوه بعيدًا بعيدًا في كل اتجاه لكي لا يعود!
وبسرعة -شريرة- وجهوا القذيفة إلى فكرة “الثَّبات” ذاتها وقالوا -من طريق استخدام فكرة “التطور”- إنَّه لا شَيْء ثابت على الإطلاق. وإنَّ طلب الثبات في أي شيء: الدِّين أو الأخلاق أو التقاليد.. إلخ، هو في ذاته فكرة خاطئة! فكرة غير علمية! فكرة مخالفة لطبيعة الأشياء. ثُمَّ ظلوا يرددون هذه الأقاويل وينشرونها ويؤكدون عليها، حتى صارت هي الصبغة المسيطرة على الفكر “الأممي” لا يقبلون فيها جدلًا ولا مناقشة.. ومن ناقش فهو “الرَّجعي” “المتزمت” “الجامد” “المتأخر” الذي يريد أن يُرْجِع عقارب السَّاعة إلى الوراء.. وعقارب الساعة لا ترجع أبدًا إلى الوراء!! وستسحقه عجلة “التطور” التي لا تُبْقِي ولا تذر!!
من بين الأسماء “اللامعة!” التى شكلت الفكر الأوروبي الحديث ثلاثة أسماء على الأقل من “كبار” اليهود: ماركس وفرويد ودركايم، Marx ، Freud، Durkheim كل منهم قام بدوره في زلزلة الفكر الأممي وإعادة تشكيله على النحو المطلوب.. وكل منهم قام بدوره في تحطيم الأعداء الألداء للمخطط اليهودي: الدين والأخلاق والتقاليد.. وكل منهم بنى أفكاره “العلمية! ” على أساس النظرية الداروينية من هنا أو من هناك..

__________
1 لا ندخل في نقاش مع نظرية داروين فهذا مجاله الكتب العلمية المتخصصة في علم الحياة وتفسير الظواهر المتصلة بالكائنات الحية، ولكنا نذكر فقط أن هناك علماء آخرين لهم قدم راسخة في مجال البحث العلمي يعارضون داروين معارضة تامة في تفسيره لظاهرة نشوء الحياة وتطورها.
كما أن علم “الجينات” “المورثات” يميل إلى اعتبار الصفات الخاصة بكل جنس ثابتة وغير قابلة للنقص أو الزيادة مما يعارض فكرة نشوء الأجناس الجديدة من الأنواع المتطورة بتغير صفاتها الوراثية تغيرًا جذريًا ينقلها إلى جنس جديد “كنشأة الفقاريات من اللافقاريات أو نشأة القرود من الثدييات العليا أو نشأة الإنسان من القردة العليا” كما أنَّ “الداروينية الحديثة New Darwinism ذاتها تقرر تفرد الإنسان عن بقية الحيوانات تفردا جوهريا.
2 قالت الداروينية الحديثة -فيما بعد-: إن الضوابط موجودة في الكيان “البيولوجي” للإنسان، في تركيب مخه وجهازه العصبي، وإنَّه متفرد بهذا عن الحيوان! ومع ذلك يرفضون الدين!

كارل ماركس

أبو الشيوعية والمادية الجدلية والتفسير المادي للتاريخ وهو صاحب القولة الشهيرة “الدِّينُ أفيون الشعوب” وهو يهودي ألماني ولد عام 1812 ومات عام 1883.
أخذ ماركس جوهر النظرية الداروينية وأنشأ على أساسه نظرية اقتصادية وتفسيرا للحياة البشرية يحصر الإنسان في عالم المادة والتطور المادي ويجعل قوانين المادة منطبقة على عالم البشر!! كما يجعل أمور الحياة كلها، من عقائد ومشاعر وأفكار وأنماط سلوكية ومنظمات ومؤسسات.. إلخ تبعا للطور الاقتصادي وللأوضاع المادية التي يعيش فيها الإنسان ومجرد انعكاس لها، لا تسبقها، ولا تخرج عنها، ولا دور للإنسان فيها إلا أن يدور مع الطور الاقتصادي ومقتضياته.. لأنَّها “حتميات”.
وقَسَّم الحياة البشرية بمقتضى هذا التَّصَّورِ إلى خمس مراحل حتمية: هي الشيوعية الأولى والرِّق والإقطاع والرأسمالية والشيوعية الثانية والأخيرة.
وجعل الانتقال من كل طور من هذه الأطوار إلى الطور اللاحق له حتميَّاً من جهة، ومَرْدُودًا إلى أسباب مادية واقتصادية من جهة أخرى.

ويركز ماركس في كلامه من مراحل التَّطور الحتمية وأسبابها المادية والاقتصادية على الانتقال من مرحلة الإقطاع إلى مرحلة الرأسمالية؛ لأنَّ هذا هو الطور الذي كان قائمًا في وقته؛ ولأنَّه هو الذي وقع فيه التغيير الضَّخم الذي أحدثه اليهود في المجتمع الأوروبي، فيقول: إنَّ من سمات المجتمع الإقطاعي الزِّراعي: التَّدين، وترابط الأسرة، وسيطرة الرَّجل على الأسرة بكل أعضائها، أي: على الزَّوْجَة والأولاد، ويرد هذا كله إلى أسباب مادية واقتصادية فلا يقول إنَّه يرجع إلى قيم معنوية، ولا يقول إنَّ هذا -في ذاته- أمر طيب وفاضل ومستحب أو واجب، إنَّما هو انعكاس لأوضاع مادية واقتصادية.
فالفلاح -وهو المنتج الرئيسي في المجتمع الزراعى- يضع البذرة في الأرض، ثُمَّ لا يستطيع أن يسيطر عليها ولا أن يستعجلها عن موعدها، ولا أن يقيها من الآفات والتأثيرات الجوية المختلفة، ومن ثَمَّ “يفترض!” وجود قوة غيبية، يكل إليها هذا الأمر كله، الذي يعجز عن التحكم فيه والسيطرة عليه، ويروح يترَضَّى هذه القوة الغيبية بالعبادات، والنُّسُك والقرابين، لكي ترضى عنه وتبارك زرعه، ولكي يتقي غضبها عليه وانتقامها منه.. ومن ثَمَّ يكون التَّدَيُّن قويًا ويكون سمة بارزة للمجتمع الزراعي.
ثُمَّ إنَّ الرَّجل في المجتمع الزِّراعي هو المتكسب، وهو الذي ينفق على الزوجة والأولاد، ومن ثَمَّ يسيطر عليهم ويبسط سلطانه. ويكون سلطانه أشد ما يكون على الزوجة، فيفرض عليها أن تكون له وحده، ومن ثَمَّ تصبح قضية العِفَّةِ والمحافظة على العِرْض ذات قيمة كبيرة في المجتمع الزِّراعي، ويفرض على المرأة أن تحافظ على عرضها “إرضاء لأنانية الرجل المتكسب المنفق” ويضفي على ذلك ثوب الدِّين والأخلاق، فتصبح قضية العفة قضية دينية وأخلاقية في حين أنَّها مجرد انعكاس لوضع اقتصادى معين يكون الرَّجُل فيه هو المتكسب دون المرأة.
فإذا تحول الناس إلى المجتمع الصناعي المتطور تغير الأمر بالكلية. فالعامل هنا غير محتاج “لافتراض!” القوة الغيبية التي كان يلجأ إليها العامل الزراعي؛ لأنه يتولى عملية الإنتاج بنفسه. فهو الذي يعالج المادة الخامة ويشكلها كما يريد.. ومن ثَمَّ يَقِلُّ التَّدَيُّنِ إلى أقصى حد في المجتمع الصناعي.
ومن جانب آخر فإنَّ المرأة تستقل اقتصاديَّاً؛ لأنَّها تعمل وتتكسب ولا تعود عالة على الرجل كما كانت في المجتمع الزراعي “المتأخر” ومن ثَمَّ يفقد الرجل سيطرته عليها ولا يعود في إمكانه أن يفرض عليها أن تكون له وحده، كما كان يفرض عليها في المجتمع الزراعى.. فتتحرر من القيود، وتفقد قضية العِفَّةِ أهميتها في المجتمع الصناعى المتطور؛ لأنه أصبح من حق المرأة أن تَهَبَ نفسها لمن تشاء دون سيطرة للرجل عليها.

وكما أن الوضع في المجتمع الزراعي لم يكن فضيلة ولا شيئا مرغوبا في ذاته، إنَّما مجرد انعكاس للطور الاقتصادي فكذلك لا يعد “الانحلال” في المجتمع الصناعى رذيلة، إنَّما هذه وتلك هى السِّمات المصاحبة لهذا الطور وذاك، لا توصف في أي الحالين بأنَّها فضيلة أو رذيلة. إنَّما كل شَيْءٍ في إبانه هو الصَّواب؛ لأنه هو الانعكاس الطبيعي للطور الاقتصادي الذي يقرر -وحده- كل العقائد والقيم والمبادئ فإذا تغير الطور لم يعد صوابا ما كان صوابا من قبل، إنَّما يكون استمراره ظاهرة مرضية ينبغي أن تُقَاوَمَ وأن تُزَالَ.

سيجموند فرويد:

لا يَقِلُّ فرويد “عبقرية” عن ماركس ولا خطورة في أداء الدور المطلوب.
ولئن كان دوره الآن قد انتهى(1) لأنَّه تم! بينما لم ينته بعد دور ماركس؛ لأنَّه لم يتم بعد! فليس معنى ذلك أنه لم يعد له أثر في المجتمع المعاصر بل العكس هو الصحيح. فقد تم دوره؛ لأنَّه أعطى تأثيره الكامل في المجتمع، بحيث لم يعد ذلك المجتمع في حاجة إلى المزيد! ولأنَّ الجرعة التي تَشَرَّبَهَا ذلك المجتمع من “علمه!” -أو من سمومه- تكفيه عِدَّة قرون!!
هو يهودي نمساوي، كان يعمل طبيبًا ثُمَّ تَخَصَّصَ في معالجة الأمراض العصبية والنفسية، وأنشأ عيادة خاصة للإشراف على علاج مرضاه ودراسة أحوالهم عن كثب، ثُمَّ استنبط من دراساته تصورًا خاصًا للنفس البشرية وتركيبها وتفسيرًا لنشاطاتها المختلفة، تفرَّد به بين كل “المفكرين” إلى ذلك الحين وربما إلى الوقت الحاضر بصرف النَّظَرِ عن تلاميذه الناقلين عنه.
ولد عام 1856 وعمَّر طويلا حتى مات في عام 1938، وألف نحو ثلاثين كتابًا في الِّدراسات النَّفْسية من أشهرها: “الذَّاتُ والذَّاتُ السُّفْلَى” The Ego and The Id و”الطواطم والمحرمات” Totem and Taboo و”تفسير الأحلام” Interpretation of Dreams و”ثلاث مقالات في النظرية الجنسية” Three Contributions to the Sexual Theory و”الأمراض النفسية المنتشرة في الحياة اليومية” Psycho Pathology of Every Day Life وكلها تدور -من زوايا مختلفة- حول موضوع واحد مكرر فيها جميعًا هو التَّفسير الجنسي للسُّلُوكِ البشري.
خلاصة هذا التَّفسير أن الطاقة الجنسية هي الطاقة العظمى في الكائن البشري، وهي المسيطرة على طاقاته جميعًا، والموجهة لها، والمسخرة لها كلها لحسابها الخاص!
يولد الطفل بطاقة جنسية وتسيطر عليه -منذ لحظة مولده- تلك الطاقة الجنسية التي ولد بها، فيرضع ثدي أمه بلذة جنسية ويتبول ويتبرز بلذة جنسية، ويمص إبهامه بلذة جنسية، ويحرك أعضاءه بلذة جنسية..
ثم ينمو الصَّبِيُّ فيحس تلقاء أمه بشهوة جنسية “كما تحس الصَّبِيَّةُ بالشهوة الجنسية تلقاء والدها” ولكنه يجد أباه حائلًا بينه وبين الاستيلاء على الأم التي يشعر نحوها بتلك الشَّهوة الجنسية، فيكره أباه الذي يحبه في ذات الوقت ويصطرع الحب والكُرْه اللذان يحس بهما في آن واحد تجاه الأب، فيكبت الكره في اللاشعور، الذي تدفن فيه -ظاهريًا- كل الرَّغبات المكبوتة والمخاوف المكبوتة ولكنها تبقى حية فاعلة مؤثرة موجهة لسلوك الإنسان دون وعي، ويظهر الحب وحده على السَّطح؛ لأنَّ ذلك هو الذي يعجب المجتمع! “أي: نفاقا!” ولكن القضية لا تنتهي عند هذا الحَدِّ ولا على هذه الصُّورة. فإنَّ الصَّبِيَّ يأخذ في حِسِّ نفسه مكان والده، تعويضًا عن عجزه عن الاستيلاء على الأم بسبب قيام والده حاجزًا بينه وبينها، فيروح ينهى نفسه ويأمرها كما ينهاه أبوه ويأمره، فينشأ الضَّمير، وتنشأ -في نفس الطفل- القيم الأخلاقية التي يتعاطاها المجتمع ويرضى عنها، كما ينشأ الدِّينُ من ذات العقدة التي سَمَّاها “عقدة أوديب” ويقابلها “عقدة إليكترا عند البنت” وهى العقدة النَّاشئة من الكبت الجنسي لشهوة الصَّبِيِّ الجنسية نحو أمه “وشهوة البنت الجنسية نحو أبيها”.
وهكذا تنشأ القيم العليا كلها: الدين والأخلاق والتَّقاليد المستمدة من الدِّينِ، من تلك العقدة النَّاشئة من الكبت الجنسي.
وتتركب النفس الإنسانية (عنده) من طبقات ثلاث:
الطبقة الشَّهْوَانية -التي تسيطر عليها الشَّهْوَة الجنسية وتوجهها- وتسمى -عنده- “الذَّاتِ السُّفْلى” The Id وهي طبقة لا شعورية، و”الذَّات” The Ego وهي الطبقة الوُسْطَى التي يتمثل فيها الوعي وتصدر عنها كل التصرفات الواعية للإنسان، و”الذَّات العليا” Super Ego التي تتمثل فيها الضوابط(2) الناشئة من الدين والأخلاق والتقاليد المتداولة في المجتمع، وهى لا شعورية أيضًا، وتنشأ من الكبت الواقع على الذَّات السُّفْلَى الشَّهْوَانية.
ومهمة الذَّات هي التَّحَايُل الدَّائم على الذَّات السُّفْلَى لإقناعها بأوامر الذَّات العليا، وإن كانت هى شخصيًا لا تؤمن بها! يقول فرويد: “إنَّ مهمة الذَّات بين الضغط الواقع عليها من الذَّاتِ العليا والذَّاتِ السُّفْلَى معا تصبح كمهمة السياسى الذي يعرف الحقائق ولكنه يداور ويناور إرضاءً للجماهير!! “.
ويتحدث فرويد -كثيرًا- عن القيم العليا.. عن الدين والأخلاق والتقاليد.

تلك خلاصة آرائه وأفكاره عن النفس البشرية والعلاقات الإنسانية.. ولن نتعرض لها هنا بالمناقشة..(6).
إنَّما نحن هنا نستعرض مكانها من المخطط الشرير، كما استعرضنا مكان ماركس من قبل.
يريد اليهود أن يشكلوا المجتمع الجديد الذي وقع في قبضتهم من أوَّلِ لحظةٍ على أساس أن يكون مجتمعًا بلا دين ولا أخلاق ولا تقاليد مستمدة من القيم الدينية.. فيجيء عالمهم النفساني الكبير ليمسخ الدين والأخلاق والتقاليد بطريقة “علمية”!
فالدين نابع من الجنس.. من عقدة أوديب.. من كبت الشهوة الجنسية التي يحسها الطفل الذكر نحو أمه!
ويجب -لكى نفهم اللعبة كاملة- أن نتذكر كيف كان إحساس أوروبا بالجنس لنعلم رد الفعل الأوروبي حين يقول لهم فرويد إن الدِّينَ نابع من الجنس!
كان الجنس في حس أوروبا أمرًا مستقذرًا إلى أقصى حَدٍّ، بسبب تَزَمُّت الكنيسة في تفسير تعاليم السيد المسيح، وبسبب الدَّعوة إلى الرهبانية. وكانت أعلى درجات التقى والورع تتمثل -ابتداء- في الابتعاد عن الجنس، المباح منه وغير المباح، وذلك أبرز ما في الرهبانية. ويصل الأمر في حسهم إلى اعتبار المرأة في ذاتها دَنَسَاً لا يجوز أن يُمَسّ، إلى حد أن واحدًا من كُتَّابِهِم ينصح الناس فيقول: “إذا لقيت امرأة في الطريق فلا تسلم عليها ولو كانت أمك!”.
وفي هذا الجو يجيء “العالم النفساني الكبير!” فيقول: “إن الدين نابع من الجنس! فأي هُوَّةٍ مستقذرة يهبط فيها الدين من عليائه؟!”.
وهب أن الناس جميعا لم يصدقوا فرويد في ادعاءاته “العلمية!” “وإن كانت دعاية اليهود له وترويجهم المدبر لآرائه(7) قد جعل بعض الناس يصدقون، بل يتحمسون في التَّصديق!” فإنَّ شيئًا ما يحدث في النفس من قراءة “فرويد” هو -على الأقل- إزالة القداسة عن الدِّينِ!

إنما تأتي قداسة الدِّينِ في النفوس من أنَّه شيءٌ منزل من عند الله، وأنه هو الصِّلَةُ بين القلب البشري والإله المعبود، تلك الصلة العلوية التي ترفع النفس إلى الآفاق العليا، وتطلق الأرواح ترفرف في عالم النور.
فإذا جاء “عالم” يقول، ويظل يلح في القول، وتظل الدعاية تلح على قوله: إن الدين أمر أرضيٌّ بحت، ومصنوع في داخل النفس لا علاقة له بالله ولا برفرفة الأرواح في الآفاق العليا.. وأكثر من ذلك أنه “معجون” بماء الجنس المستقذر يومئذ في حس الناس.. فهل تتوقع أن تبقى للدين قداسة في النفوس؟!
يقول “يونج Jung” أحد تلميذي فرويد المقربين “والآخر هو أدلر Adler” في كتاب سماه “ذكرياتي عن فرويد Memorials of Freud” صدر في الستينيات: “لقد قال لى فرويد إننا ينبغي أن نحطم كل العقائد الدينية: We must abolish all dogmas” وقال لى: “ينبغي أن نجعل من الجنس عقيدة We must make sex a dogma”.
ولا تحتاج هذه الشهادة إلى تعليق! فالدين ذو القداسة يلقى به في دنس الجنس، والجنس المستقذر يرفع إلى مقام الدين!!
ويريد اليهود أن يحطموا الأخلاق وينشئوا مجتمعا منحلا يسهل فيه تسخير “الحمير” لشعب الله المختار.
فأي معول أشد تحطيما للأخلاق من دعوة “العالم النفسانى الكبير” للأولاد والبنات أن ينطلقوا لتلبية نداء الجنس أنى شاءوا بلا حواجز ولا قيود؟!

يقول الكاتب الإنجليزي “ألدوس هكسلي Aldous Huxley” في كتابه “Texts and Pretexts” “النُّصوص والذرائع”: “إنَّ المحلل النفسي يقف -لا محالة- إلى جانب المجرم الأخلاقي:
The psycho-analyst is inevitably on the side of the immoralist
وليست هناك حتمية في الحقيقة، ولكن هذا هو التَّحليل النفسي على طريقة “العالم اليهودي الكبير”!
ويريد اليهود أن ينشئوا مجتمعا متفككا لا روابط فيه، ذلك أن الرَّوابط -من أي نوع- تبطئ عملية التحلل، وتبطئ تحويل الأمميين إلى دواب الحمل التي يركبها بنو إسرائيل ويسخرونها لمصالحهم.. فيجيء “العالم النفساني الكبير” فيقول بطريقة “علمية” إنه لا توجد في حقيقة الأمر روابط بين البشر! لا بين الولد وأمه، ولا بين الولد وأبيه، ولا بين الزَّوج وزوجته، ولا بين الأخ وأخيه فضلًا عن أن تكون هناك روابط بين الغُرَبَاءِ الذين لا تصل بينهم صلة القربى إنَّما كل إنسان في الأرض يكره الإنسان الآخر في قرارة نفسه ويتمنى له الزَّوال!
باختصار لقد كانت مهمة “العالم النفساني” هي تغطية الفساد الضخم الذي تدبره العصابة الشريرة في الأرض، بإعطائه “التبرير العلمى”! الذي يجعله أمرا طبيعيا لا يستنكر! ويصبح المنكر عليه هو الرجعي المتأخر الذي يصدر عن الجهل بحقائق العلم، والتمسك بالخرافات السخيفة، أو المثاليات التي لا تقل عنها سخفا ولا مكان لها في واقع الحياة!

إميل دور كايم:

“دورك هايم أو دورك حاييم!” يهودي فرنسي ولد عام 1858 ومات عام 1917 وتخصص في علم الاجتماع وله فيه كتب من أشهرها “مقدمة في علم الاجتماع”.
وقد لا تكون له شهرة عند الجماهير كماركس وفرويد، ولكن له شهرته الواسعة بين “علماء الاجتماع” ويتتلمذ عليه -أو على فكره- كل من يقوم بتدريس علم الاجتماع في الجامعات والمدارس في عالم الأمميين إلا من رحم ربك! وعلى أى حال فقد أدى “مهمته” في الميدان الذي تخصص فيه، ووجه حملته -مع زملائه الآخرين من كبار “المفكرين” اليهود- إلى تحطيم الدين والأخلاق والتقاليد.
أخذ “دور كايم” عن “داروين” التَّفسير الحيواني للإنسان، ومَدَّدَهُ ليغطي ميدان العلاقات الاجتماعية. ولقد أسلفنا أن داروين نفسه لم يكن عالم اجتماع ولا اقتصاد ولا علم نفس، إنَّما كان مُتَخَصِّصًا في علم الحياة، أي: في مظاهر الحياة في “أجسام” الكائنات الحية. وحين وصل -في سلسلة التطور الحيواني- إلى الإنسان، وألحقه بعالم الحيوان، كان يدرس مظاهر الحياة في “جسم” الإنسان ووظائف أعضائه، دون أن يتعرض للجوانب الأخرى التي ليست من اختصاصه.
ولكنَّا قلنا إنَّ نظريته -بالصُّورة التي قدمها بها، لا بما تحويه من معلومات علمية بصرف النَّظَرِ عن صحتها أو عدم صحتها من الوجهة العلمية-كانت تحوي إيحاءات معينة لمن أراد أن يستخلصها ويستخدمها، مبنية كلها على فكرة حيوانية الإنسان وماديته. وإنَّ أحدًا لم يستخلصها ويستخدمها في الحقيقة إلا اليهود. ودور كايم واحد مِمَّن فعلوا ذلك في ميدان تخصصه وهو علم الاجتماع.
وخلاصة آرائه أنَّ الكائن البشري محكوم “بنزعة القطيع” التي تحكم عالم الحيوان وتسيره دون وعي منه ولا إرادة.
ولئن كان فرويد قد قالها دون مداراة، حين زعم أن البشرية الأولى قتلت أباها لتستولي على الأم، مستندًا إلى أن داروين قد قال مثل ذلك عن عالم البقر، فإنَّ دور كايم لم يشأ أن يستخدم المصطلح الحيواني مباشرة، فلم يسمها -في عالم الإنسان- “نزعة القطيع” وإنَّما سماها “العقل الجمعي”، ونسب إليها في عالم الإنسان كل ما ينسب في عالم الحيوان إلى نزعة القطيع.
وبعض كلامه عن العقل الجمعي معقول، وتكلم عنه كثير غيره من العلماء والمفكرين وسموه “المشاركة الوجدانية” وهي حقيقة واقعة في عالم البشر.
ولكنه لم يرد أن يستخدم هذا المصطلح؛ لأنه لا يخدمه فيما كان يهدف إليه، ذلك أن للمشاركة الوجدانية حدودًا معروفة تقف عندها، وصورة أو صورا معينة تمارس في نطاقها، لا تلغي شخصية الفرد الإيجابية ولا إرادته؛ لأنها تصدر عن “الذات” ولا تلغيها، وقد تكون في كثير من الأحيان غير إرادية ولكنها لا تلغي الإرادة. إنما هي تأثر معين من شيء خارجي، يستتبع مشاعر معينة أو أعمالا معينة يقوم بها الإنسان لمشاركة الآخرين فيما يراه من أحوالهم، ولكنه يظل شاعرا أنه “هو” الذي يقوم بها، وأنه يقوم بها؛ لأنه يريد -ولو إرادة مؤقتة- أن يشارك الآخرين فيما هم فيه.
أمَّا الصُّورة التي يريد “دور كايم” أن يرسمها للبشرية فهي صورة مختلفة، يريد أن يلغي فيها شخصية الفرد إلغاءً كاملًا ويلغي إرادته، ليتقبل ما يلقيه إليه “العقل الجمعي” من أوامر وتوجيهات بلا وعي منه ولا إرادة!
يستمد “دور كايم” أمثلته وقواعده مما قام به “الغوغاء” في الثورة الفرنسية من قتل وتحطيم وتخريب وقع من أناس “عاديين” لم يحدث منهم القتل والتَّخريب من قبل، ولو طلب منهم ذلك أفرادًا لامتنعوا عنه، ولكنَّهم قاموا به في سرور بالغ بل في نشوة وحشية وهم في وسط “المجموع”.

وبصرف النظر عن يد اليهود الخفية في توجيه الثورة وجهات معينة، فإنَّ هذه -في ذاتها- حقيقة: أن “الغوغاء” تقوم بمثل هذه الأعمال حين توجه إليها، بينما معظم الأفراد من هذه الغوغاء لو طلب منهم أن يقوموا بها أفرادا لامتنعوا واستنكروا.
وكثير من المفكرين لفتتهم هذه الظاهرة، وردوها إلى “المشاركة الوجدانية” أو إلى نزعة “مكبوتة” إلى التخريب والتحطيم ينفلت قيادتها حين يوجه الغوغاء إلى ذلك فينطلقون -وقد انحلت العقدة- يفعلون ما يخطر على بالهم من وحي اللحظة، متشجعين على الشَّرِّ بكونهم كثرة غالبة والواقف في طريقهم قلة مغلوبة.. بل ردها بعضهم إلى “نزعة القطيع” مباشرة، على أساس أنَّ هذا القطيع البشري في حالته الجنونية التي يكون عليها، بلا عقل ولا وعي، هو أشبه بالحيوان تحركه بالفعل نوازع الحيوان ما دام قد غاب عنه العقل الذي “يعقل” تصرفاته – أي: يقيدها -.

وأيا كان الرأي فقد نظر المفكرون إلى هذه المظاهر على أنها حالة خاصة تصيب الجماهير حين تجتمع في حالة غضب أو استثارة. ولكن “دور كايم” جعلها قاعدة الحياة البشرية كلها، والأساس الذي تنبني عليه كل تصرفاتها، مستندا إلى الحالتين اللتين يكون الوعي والإرادة فيهما مفقودين تمامًا أو شبه مفقودين، وهما حالة الطفل وحالة الغوغاء. فأمَّا الغوغاء فأمرها معروف، وأمَّا الطفل فإنَّه يولد ولا حول له ولا قوة، فيتلقى الأوامر والتوجيهات من أبويه ومن المجتمع المحيط به، فيتشكل من صغره بالطابع الذي عليه المجتمع، فتصاغ له أفكاره ومعتقداته وأنماط سلوكه دون أن تكون له إرادة في ذلك ولا رغبة ذاتية، ولا مشاركة إيجابية في صياغة تلك الأفكار والمعتقدات وأنماط السُّلُوك.. وهكذا تخرج البشرية جيلا وراء جيل.
ولكنه يلحظ -بل يؤكد لغاية معينة في نفسه- أنَّ الأفكار والمعتقدات وأنماط السُّلُوك تتغير من جيل إلى جيل.. وهنا يقتنص الخيط الذي يريده فيقول: “إنَّ هذا يحدث من تأثير العقل الجمعي، الذي يتغير على الدَّوام ولا يثبت على حال”!
ويُعَرِّف العقل الجمعي بأنَّه: “شَيْءٌ كائن خارج عقول الأفراد ليس هو مجموع عقولهم، ولا يشترط أن يكون موافقًا لعقل أحد منهم ولا لمزاجه الخاص!”؛ – عقل من هو إذن؟! -؛ “وأنه يؤثر في عقول جميع الأفراد من خارج كيانهم ولا يملكون إلا أن يطيعوه ولو على غير إرادة منهم”!
ثُمَّ يقول إنَّه دائم التَّغَيُّرِ.. يحل اليوم ما حرمه الأمس.. ويحرم غدا ما أحله اليوم.. بلا ضابط ولا منطق معقول! ويقول -وهو بيت القصيد- إنَّه لا يمكن من ثَمَّ تصور ثبات شَيْءٍ من القيم على الإطلاق: لا الدين ولا الأخلاق ولا التقاليد! وإن النظر إلى هذه الأمور على أنها أمور قائمة بذاتها هو تفكير غير معقول على الإطلاق!
يقول: “كان المظنون أن الدين والزواج والأسرة هي أشياء من الفطرة ولكن التاريخ يوقفنا على أن هذه النزعات ليست فطرية في الإنسان”! أرأيت إلى “العالم الكبير”! إنها ليست فطرية في الإنسان!
وبكلمات قليلة معدودة يلغي “العالم الكبير” كل مقدسات البشرية!
أما الفرد الممتاز، نبيا كان أو مصلحا أو قائدا، الذي يقف في وجه المجموع ويغير اتجاهه.. فهذا ملغي إلغاءً كاملًا من حساب “دور كايم” – مهما قالت وقائع التاريخ! – لأنه لا يخدم أهدافه! لأنه -من ناحية- يلغي أسطورة “العقل الجمعي” الذي يحكم الناس من خارج كيانهم دون أن يملك أحد الوقوف في طريقه، ولأنه -من ناحية أخرى- يشير إلى “قيم ثابتة” في حياة البشرية منها الدين والأخلاق والزواج والأسرة؛ لأن كل الأنبياء والمصلحين دعوا إليها، وكانوا دعائم في تثبيتها خلال القرون الطويلة التي عاشتها البشرية قبل أن يأتي القرن اليهودي الذي يعيث فيه اليهود مفسدين في الأرض، ويحطمون كل القيم الثابتة في حياة البشرية!

لقد أراد اليهود -ونفذوا بالفعل- إنشاء مجتمع تنعدم فيه “القيم الثابتة”. مجتمع بلا دين ولا أخلاق ولا زواج ولا أسرة ولا تقاليد.

وهنا يأتي “عالم الاجتماع الكبير” للتغطية الكاملة على دور اليهود في تحطيم هذه القيم.
فأوَّلًا: ليس الذي يقوم بتحطيم القيم وإفساد المجتمع فئة محددة من البشر يمكن الإشارة إليهم بأعيانهم، ويمكن محاسبتهم على ما اقترفت أيديهم، إنما هو العقل الجمعي! وأنَّى لك أن تمسك بالعقل الجمعي وتحاسبه، وهو الذي لا يمكن الإمساك به؛ لأنه ليس له مكان محدد ولا كيان محدد، ثُمَّ إنَّه لا يسأل عمَّا يفعل؛ لأنَّه هو القاهر فوق العباد!!
وثانيا: فإنَّ الذي يقوم به العقل الجمعي “الذي صنعه اليهود بأنفسهم!” ليس “تحطيما” للقيم، وإنَّما هو مجرد “تغيير” على سُنَّةِ العقل الجمعي في التغير الدائم وعدم الثبوت على حال! و”القيم الثابتة” إن هي إلا أسطورة توهمها الناس في جهالتهم قبل أن يجيء “العالم الكبير” لتنويرهم.. وقد قال لهم “العالم الكبير” إنها ليست فطرية في الإنسان!
وثالثا: إنه لا قبل للناس بوقف التغيير! لأنه يحدث من خارج كيانهم! “وقد كان من خارج كيانهم بالفعل! ولكن لا لأنه “عقل جمعي” ولكن لأنهم تركوا الدِّينَ فركبهم الشَّيْطان: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} (1) {وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا، لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا، وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ} (2)..!
وهكذا قام “العالم الكبير” بالتغطية على دور اليهود في الإفساد في الأرض في صورة “علم” يدرس في كل جامعات الأرض، ويتربى عليه “علماء” من الأمميين يتعصبون له كأنَّما هم واضعوه، أو كأَّنما هو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!

2- واقع المجتمع الصناعى:

لئن كان “علماء” اليهود قد أدوا دورهم “العلمي” في توهين عرى الدين والأخلاق والتقاليد، والقول بكل طريقة ومن كل زاوية بأنها سخف لا ينبغي للإنسان المتحضر أن يتمسك به، وأوهام لا ينبغي الاحتفاظ بها في عصر العلم، وقيود تعوق الانطلاق، وصناعة بشرية بحتة من حق البشرية أن تراجعها وتعدلها أو تلغيها أو تعمل بعكسها(1).
لئن كان “العلماء اليهود أساسًا” قد قاموا بهذا الدور فقد كانت عصابات أخرى تقوم في ذات الوقت بعملية لا تقل خطورة -بل قد تكون أشد خطورة- هي إقامة مجتمع في عالم الواقع، منسلخ من الدين والأخلاق والتقاليد، قائم على غير أساس منها.. وهكذا تجتمع النظريات والواقع على هدف محدد، يساند بعضها بعضا ويساعد بعضها بعضا، فالنظريات تمهد للواقع وتسنده، والواقع يشهد للنظريات ويؤكدها! وبين ذراعي الكماشة الشريرة يقع “الأمميون” في أوروبا أولًا، وفي الأرض كلها بعد ذلك، تعصرهم عصرًا وتمسخهم مسخًا!

قلنا من قبل إن المجتمع الصناعي قد وقع في قبضة اليهود منذ اللحظة الأولى بسبب قيام اليهود المرابين بتمويل الصناعة الناشئة عن طريق الإقراض بالربا، فأصبح في مُكْنتهم السيطرة على هذا المجتمع وتشكيله على الصورة التي يرغبونها؛ لأن في يدهم أداة السيطرة الكبرى على ذلك المجتمع وهي رأس المال.
ونريد هنا أن نُفَصِّل هذا القول شيئا من التفصيل مستندين إلى وقائع التاريخ.
كانت الثورة الفرنسية -التي كسب فيها الأمميون شيئا من الكسب مشوبا بكثير من الخسران، وكسب فيها اليهود كسبا خالصا لمخططهم الشرير- أول مِعْوَلٍ في تحطيم الإقطاع والتمهيد للثورة الصناعية. ومن فرنسا انتشرت “مبادئ” الثورة الفرنسية وشعاراتها التي وضعها لها الماسونيون اليهود: “الحرية والإخاء والمساواة” فعمت أوروبا كلها وحَطَّمت أسس الإقطاع فيها، وحرَّرت “العبيد” ليكونوا غذاء للثورة الصناعية، ووقودا لها كذلك!
وفرح العبيد المحررون فرحة عظيمة، ولا شَكَّ بتلك الحرية فالحرية دائمًا محببة إلى النُّفُوس، والقيدُ بغيضٌ ولو تبلدت النفوس عليه عِدَّةَ قرون!
وانطلقوا إلى المدن في هيئة عمال في المصانع. وكانت المدينة في ذاتها سحرًا هائلًا في أنفسهم، فهكذا ينظر أهل الريف دائمًا إلى المدينة، ولو كانوا فيها غرباء…. أمَّا هؤلاء فقد كانت الغربة بالنسبة إليهم عارضًا زائلًا، فسرعان ما أصبحوا سكانا فيها أُصَلاء. ولقد كانت حرية التنقل في ذاتها كسبًا ضخمًا طربت له نفوس العمال بعد أن كانوا مقيدين بالأرض مشدودين إليها لا يملكون مغادرتها؛ ولو إلى الأرض الملاصقة لإقطاعيتهم.
ثُمَّ لقد أصبحوا أُجْرَاء “أحرارًا” بعد أن كانوا من العبيد … صاروا يعملون ويقبضون في نهاية الأسبوع أجرًا نقديَّاً يمسكون به في أيديهم وينفقونه كيف شاءوا ليس لأحد عليهم سلطان.
وكان لكل هذا نشوة تطرب لها النفوس.
ولكن هذه النشوة لم تدم طويلًا على أي حال، فقد انكشف الواقع الجديد عن صعوبات لم تكن مقدرة حَقّ قدرها في بادئ الأمر … فساعات العمل طويلة ومُضْنِيَّة والأجر مع ذلك قليل إذا قيس بمطالب المدينة وارتفاع أسعار الحاجيات فيها، ففي الريف لم يكن يدفع الناس أجرًا للمسكن سواء كانوا أجراء أحرارًا أو أقنانًا يعملون في الأرض، فمساكن القرية تورث جيًلا بعد جيل يتربى فيها كل جيل جديد لا يدفع فيها أجرا حتى ولو لم يشعر بملكية حقيقية لها؛ لأنها ملك للسيد الذي يملك الأرض بما عليها ومن عليها ملكية حقيقية أو معنوية … وفي الريف لا يتكلف الناس لطعامهم وشرابهم كثيرا من المال، فمن منتجات الألبان ومنتجات الدَّواجن يأخذون اللبن والزُّبد والبيض واللحم “في المواسم على الأقل” ومِمَّا يزرعون يأخذون خبزهم وبقولهم وخضرهم فلا يكادون يحسون أنَّهم دفعوا فيها شيئا يذكر، وإن كانوا في الحقيقة يدفعون جهدهم كله في عمل مضن طوال العام، ويدفعون من كرامتهم وإنسانيتهم.
والآن تغير الحال … كثيرًا.
لم تعد وطأة “السيد” ذات وقع حسي مباشر كما كانت في ظل الإقطاع، وإن كانت الوطأة المعنوية قائمة ولا شك قائمة في حاجة العمال إلى العمل من أجل الحياة، وغطرسة صاحب المصنع وتكبره وتجبره وتقتيره في الأجور.
ثُمَّ إن العمل ذاته له وطأة؛ وهي وطأة حسية إلى جانب السَّطْوَة المعنوية لصاحب العمل. فهو عمل متواصل في إدارة الآلات -وكانت في مبدأ الأمر تحتاج إلى جهد بدني كبير في إدارتها- وليس من نوع العمل الريفي الذي كان مُضْنِيَّاً -نعم- ولكنه مرن في أدائه إلى حد ما.

أمَّا السيد الجديد فلا يتيح شيئا من ذلك.
صحيح أنه ليس له سوط يمسك به هو أو عامله “وكيله Steward” ليهوي به على ظهور العمال إن توانوا عن العمل، ولكن في يده سوطا معنويا لا يقل إيذاء وهو الخصم من الأجر أو الطرد من العمل!
ثم إن الأجر -حتى إن سلم من هاتين الآفتين جميعًا- ضئيلٌ بالنسبة لمطالب الحياة.
صحيح أنه -من حيث الكم- أضعاف ما كان يحصل عليه في الريف، ولكنه إذا وزع على المسكن والملبس والمطعم والمشرب لم يكد يفي بكل ذلك ولو على مستوى الكفاف.
ثُمَّ إنَّ هناك أمرًا هامًا جدًا في هذه الحياة الجديدة كان له خطره البعيد في تشكيل صورة المجتمع الصناعي الناشئ وإعطائه الطابع الذي يوافق هوى الشياطين … فإنَّ الأجر الضئيل الذي يتناوله العامل ولا يكاد يفي بحاجته لم يكن يسمح بحال بإنشاء أسرة في المدينة ذات التكاليف؛ ومن ثَمَّ جاء العمال عُزَّابَاً إلى المدينة -وهم في سن الشباب والفتوة- أو إن كانوا متزوجين تركوا أسرهم في الريف وعاشوا في المدينة كالعزاب.
وأضيفت إلى متاعب الحياة في المدينة جَوْعَةِ الجنس، وهي جوعة ليست باليسيرة بالنسبة للشباب في مثل هذه السن، وما كان يفد للعمل إلى المدينة إلا الأقوياء ذووا الأجساد.
هل كان ذلك كله من تدبير اليهود أم هم استغلوه؟!
يستويان.
والأغلب أنه لم يكن من تخطيط اليهود، إنما هو من جشع أصحاب الأموال وأصحاب الصناعات يهودًا وغير يهود. ولكن المؤكد أن “الحل” الذي قُدِّم لهذه الأزمة كان هو الحل اليهودي الخالص الذي يعمل فيه اليهود من قديم.
كان الحل هو البغاء! وفرك اليهود أيديهم سرورًا فقد أمسكوا بأوَّلِ الخيط! الخيط الذي يجر “الأممين” إلى حيث يريد لهم الشيطان.
وجاءت الخطوة التالية؛ فقد بدأ العمال يُضْرِبون عن العمل جماعات … يطلبون تخفيض ساعات العمل وزيادة الأجور. وفي دستور الرأسمالية -غير المكتوب- أنَّها ينبغي أن تحتفظ دائمًا بجيش من العاطلين تستخدمهم حين يُضْرِبُ العمال العاملون حتى لا يتوقف العمل من جهة، وحتى يَضْرِبوا حركات الإضراب من جهة أخرى فيضطر العمال إلى الرجوع إلى أعمالهم صاغرين!

ولأمر ما استخدمت الرأسمالية المرأة العاملة لتضرب بها حركات العاملين من الذكور.. وأعطتها نصف الأجر، وهي تعمل ذات القدر من العمل وذات العدد من السًّاعات!!
هل كان هذا من تدبير اليهود أم هم استغلوه؟!
الأغلب أنه لم يكن من تدبيرهم، وإن كان أشبه بتفكيرهم الشَّيْطاني؛ ولكن المؤكد أنهم استغلوه إلى أقصى طاقة الاستغلال وجعلوه أداة لتنفيذ كل مخططهم الشرير.
كانت المرأة في الريف تعمل -بالطبيعة- في بيتها، كما كانت تساعد زوجها في أعمال الحقل في حدود معينة.
وكان الريف يحوط عمل المرأة بسياج معين من الأخلاق، والتقاليد المستمدة من الدين، فلا يحدث الاختلاط بالغرباء في غير ضرورة، ولا تحدث الفاحشة إلا شذوذا في ذلك المجتمع المحافظ إلى درجة التَّزَمُّتِ. والزواج المبكر يغني الشباب من الجنسين عن الصِّلات المحرمة، ويقيم الأسرة على أساس من القيم المتوارثة النابعة كلها من الدين.
ولكن المرأة التي تركها عائلها وذهب “متحررا” إلى المدينة، ولم يعد لها عائل غيره، كانت مضطرة إلى العمل وإلا ماتت جوعًا على الحقيقة لا على المجاز! فما كانت الجاهلية الأوروبية التي لا تطبق شريعة الله تعرف ما تصون به المرأة من الجوع والآثار المترتبة على الجوع! وشيئا فشيئا اضطر هؤلاء النِّساء إلى الهجرة إلى المدينة للعمل هناك، حيث التقطهن أصحاب المصانع يضربون بهن حركات العمال الإضرابية، وأعطتهن نصف الأجر!
ولكن الأمر لم يقف مع الجاهلية عند هذا الحد، فالمرأة دائما “صيد” والمرأة المحتاجة صيد ميسر!
وساومها “الرجل” الذي تعمل عنده.. إما أن تفرط في عرضها وإمَّا أن تعود إلى الجوع الذي فَرَّت منه!
ولم تكن الجوعة في الحقيقة هي جوعة المعدة فحسب، وإن كات هذه كافية للسُّقُوطِ! إنَّما كان إلى جانبها الحاجة الفطرية الطبيعية إلى الجنس، والحاجة إلى اللباس والزينة وهي بالنسبة للمرأة ليست كلها كماليات! وسقط من “الرعيل” الأول من العاملات من سقط، ووجد اليهود صيدًا سهلًا يشغلونه في صناعة البغاء.
ورويدا رويدا أصبح البغاء الرسمي وغير الرسمي حقيقة واقعة في المجتمع له صفة “الشرعية” الكاملة، وتتحدث عن “تنظيمه” القوانين. وأصبحت هذه هي “الواقعية” الجديدة التي يدافع عنها الكتاب والخطباء والصحفيون والقصصيون والروائيون والمحللون النفسانيون!!
غير أن المسألة لم تقف عند هذا الحد، وإنما “تطورت” كثيرا فقد كثر العاملات في المصانع، اللواتي يقمن بنفس العمل ويتناولن نصف الأجر، بسبب استمرار هجرة العمال إلى المدينة وترك أسرهم بلا عائل، فأصبحت لهن “قضية” قضية المساواة في الأجر مع الرجل، وهي قضية عادلة دون شك، أيا كانت الظروف التي أدت إليها؛ فحين يعمل الرجل والمرأة نفس العمل، ويقومان بنفس الجهد، فأي مبرر في الأرض يبرر أن يأخذ أحدهما نصف الآخر(2).
ولكن الجاهلية الأوروبية ارتضت هذا الأمر، ورأت فيه شيئا طبيعيا لا يبعث على الاستنكار!
ولكن النساء اللواتي وقع عليهن الغبن رأين -أو رؤي لهن- أن يطالبن بحقوقهن المسلوبة نقول: رؤي لهن؛ لأن التاريخ يشهد أنه كان هناك دائما محرك يحرك الأمور.
وسواء كان اليهود هم الذين حركوا “القضية” أم قوم طيبون أخذتهم الشفقة بالمظلومات فطالبوا لهن بحقوقهن، فلا شكَّ أن اليهود استغلوا الظروف لصالح مخططاتهم، وشدوا الخيط إلى أقصى ما يمكن أن يُشَدّ.

وسارت القضية في خطوات متتابعة، كل خطوة تؤدي إلى تاليتها بصورة تبدو طبيعية ومنطقية وتلقائية، فقد طالبت المرأة بالمساواة مع الرجل في الأجر فرفضت الرأسمالية الناشئة وأصرت على الرفض! ورفض “الرجل” كذلك! كأن طلبها عدوان على حقوقه الشخصية أو عدوان على كيانه الذاتي!
ولما رفض أصحاب المصانع قضية المساواة في الأجر ورفضها الرجل كذلك، طالبت المرأة -أو طولب لها في الحقيقة- بأن يكون لها حق الانتخاب حتى يكون لها -كما قيل- تأثير في اختيار المرشحين للمجالس النيابية فيدافعوا عن حقوقها المسلوبة حين يصلون إلى البرلمان، وكان الرجل قد نال هذا الحق “حق الانتخاب” قبل ذلك مع نمو الديمقراطية ونمو الحقوق السياسية للشعب(3).
ورفض الرجل إعطاءها هذا الحق، ولم يعترف أصلًا بأن ذلك حق من حقوقها أو أمر جائز بالنسبة إليها؛ وتكفل رجال بالدفاع عن “قضية المرأة”: محامون وكتاب وخطباء وصحفيون.. بينما ظل أغلبية الرجال يرفضون في إصرار، ولكن رويدا رويدا أخذت المعارضة تلين -أو في الحقيقة تُلَيَّن- بالدَّقِّ المستمر عليها بكل وسائل الأعلام المتاحة في ذلك الحين، وفي مقدمتها الصحافة، ومن بينها الخطابة والمحاضرة والتأليف.
وظاهرة لين المعارضة بعد اشتدادها في أوَّلِ الأمر تكررت في كل مرحلة من مراحل “القضية” بصورة واحدة تقريبا.. يبدأ “المدافعون” بإثارة القضية فتنهال المعارضة من كل جانب، وتحتد غضبات “الرجال” إلى حد يخيل للرائي أن الأمر قد انتهى إلى الأبد، وأن القضية فاشلة لا محالة! ورويدًا رويدًا تأخذ الأصوات المعارضة تَخْفُت، والأصوات المدافعة تعنف وتشتد، حتى يأتي يوم لا يجرؤ فيه أحد على المعارضة؛ لأنه يصبح ضد التيار، ويريد أن يرجع عقارب الساعة إلى الوراء ويريد أن يوقف عجلة التطور السَّاحقة التي تسحق كل من يقف في سبيلها!!
كيف يتم الأمر على هذه الصورة.

طالبت المرأة بحق الانتخاب الذي كان الرجل قد حصل عليه، ومن ثَمَّ أصبح للقضية بعد جديد -بعد سياسي- بعد أن كانت مجرد قضية مساواة في الأجر. ورُفِضَ طلبها بشدة في أول الأمر، ثم عادت المعارضة فلانت، وحصلت المرأة في معظم دول أوروبا على حق الانتخاب؛ ولكنها وجدت أن الأصوات الضَّئيلة التي تدلي بها في الانتخابات ليس لها وزن حقيقي في المعركة الانتخابية، وحتى إن أثرت تأثيرا جزئيا طفيفا في إنجاح مرشح معين، فسرعان ما ينسى المرشح وعوده حين يصل إلى البرلمان، أو تضيع صيحته في زحمة الأعمال والخطب والكلمات!
عندئذ رؤي لها أن تطالب بحق الترشيح ودخول البرلمان، لكي تُسْمِع صوتها بنفسها للذين يصنعون القوانين “كأنهم لم يكونوا سامعين من قبل” وتشارك بنفسها في إعداد التشريع فتُضَمِّنُهُ ما يحفظ للمرأة حقوقها.
وقامت قيامة المعارضة كما يحدث في كل مرة، واشتدت حتى ليظن الرائي أن الأمر لن يتم أبدا.. ثُمَّ ظلت أصوات المعارضة تخفت تدريجيا وتلين، حتى نالت المرأة حق الترشيح ودخلت البرلمان!
ويجدر بنا أن نلاحظ ظاهرة “فنية!” في إدارة المعركة.
لقد كانت الصحافة دائمًا من أوسع المجالات التي تدور فيها المعركة إن لم تكن أوسعها جميعًا، والصَّحافة في أوروبا كانت -وما تزال- في أيدي اليهود، الذين يوجهون المعركة كلها لحسابهم الخاص. ومع رغبتهم الشديدة في أن تصل الأمور إلى إخفات صوت المعارضة نهائيَّاً، وعدم السَّمَاحِ لها بالظهور، فقد كانوا -في كل مرة يدعون الصحف تفسح صدرها للرأي المعارض مهما كانت شدة لهجته وقساوة عباراته!
وهذا “فن” بارع ولا شك!
فمن ناحية لم تكن الَّصحافة هي المجال الوحيد لأداء الرأي، بل كان إلى جانبها الخطابة والمحاضرة والتأليف؛ فلو أنَّ تلك الوسائل أغلقت أبوابها دون الرأي المعارض -وهو في حدته- لانكشف للناس تحيزها؛ وانكشف اللاعبون من ورائها، وفشلت اللعبة من أولها! بل ينبغي أن تبقى الصحافة “حرة!” في ظاهرها حتى يطمئن الناس إليها وتصبح أداة جبارة لتشكيل “الرأي” العام على النحو المطلوب.
ومن ناحية أخرى فإن المعارضة والشد والجذب بين الرأي المعارض والرأي المؤيد، مطلوبان -لذاتهما- من أجل إنجاح المعركة والوصول بها -في النهاية- إلى الهدف المطلوب!
هب أن الرأي المطلوب إرساء قواعده -وهو إعطاء المرأة حق الانتخاب مثلا- قد أُلْقِيَ في الصحف أو في أي مجال من مجالات الإعلام فلم يأبه بمعارضته أحد ولم يتقدم لمناقشته وتفنيده أحد، أتراه ينجح أو يصل إلى هدفه؟ كلا! إنما يموت لتوه ويغطيه النِّسْيَان! ويكون في حس الناس أن مجنونا أخرق تقدم برأي شاذ فلم يأبه به أحد!
أما حين تدور المعركة، بالمعارضة، وإن اشتدت في بادئ الأمر، فهذا هو الضمان أن ينشغل الناس بالقضية ويولونها اهتمامهم، وهذه هي الخطوة الأولى في طريق النجاح! ويكفي -في مبدأ الأمر- أن تدور المعركة حول الرأي! فمعنى ذلك أن الموضوع قابل للمناقشة، وأن هناك وجهات نظر مختلفة فيه -ولو كان بعضها ضعيفا غاية الضعف- وأن الأوضاع القائمة “المراد إزالتها” ليست حقيقة نهائية مقررة لا تقبل النقاش!.
وما دام قد تقرر المبدأ، وهو أن الأمر قابل للنقاش وليس حقيقة نهائية فمن باب “الحرية!” ينبغي أن يسمح لكل الناس بإبداء آرائهم سواء كانوا مؤيدين أو معارضين، ليتاح “للرأي العام” أن يحكم على الأمر!
عندئذ تأتي الخطوة “الفنية” التالية، وهي الإلحاح المستمر على وجهة النظر المطلوبة، والتَّقليل التدريجي من الرأي المعارض، مهما كان قويَّاً في حقيقته في الواقع الخارجي “أي: خارج دائرة الصحافة”، حتى يخيل للقارئ أن الرأي المعارض قد خَفَتَ بالفعل، وأن الرأي “المطلوب” أصبح هو الرأي الغالب. وعندئذ تخفت المعارضة بالفعل بتأثير هذا الإيحاء ويتغلب الرأي المطلوب، ويقال إن “الرأي العام!” قد اقتنع بالقضية وأصبح من المتحمسين لها! وترفع المرآة الزائفة أمام الناس فيظن كل واحد أن الآخرين كلهم قد اقتنعوا ولم يبق متردِّدا أو معارضًا إلا هو! فيقتنع هو الآخر بالإيحاء!
وتبقى -دائما بطبيعة الحال- قلة صلبة في معارضتها تأبى أن تذوب سواء كانت معارضتها ناشئة عن إيمان حقيقي بمبدأ معين أو حقيقة معينة، أو لأي سبب آخر، وهذه يجري التخلص منها بصورة من الصور، إمَّا بمحاولة الشراء، وإما بتشويه السمعة، وإما بالتَّصفية البدنية إذا لم تفلح جميع الوسائل في ثنيها عن موقفها!
وهكذا ارتفعت صيحات المعارضة في كل مرة طولب للمرأة فيها بحقوق جديدة، ثم لانت المعارضة أو لُيِّنَتْ، وخفتت الأصوات بعد حين، وبقي الرأي “المطلوب” وحده مرتفع الراية في الآفاق، وقيل إنه “التطور الحتمي” الذي لا بد أن يأخذ مجراه، وإن عجلة التطور ستسحق كل من يقف لها في الطريق!
دخلت المرأة البرلمان لعبة مسلية أكثر مما هي واقع جَدِّيٍّ! ولم يتغير كثيرًا حال المرأة بهذه اللعبة من ناحية “الحقوق” المطلوبة، ولكنها -من وجوه أخرى- تغيرت كثيرا ولا شك!
كانت “القضية” في أثناء ذلك قد سارت مسارات شتى، وطرقت أبوابا جديدة.

كانت قضية تعليم المرأة من أشد القضايا إثارة للمعارضة في المجتمع الأوروبي الجاهلي.. فقد كان التعليم خلال قرون طويلة حقا للرجل وحده، لا تنازعه فيه المرأة ولا ينبغي لها أن تنازعه فيه.
وصيغت خلال القرون “نظريات” حول عقل المرأة وقابليتها للتعلم، خلاصتها أن المرأة لا يمكن أن تتعلم! هكذا خلقها الله! لا تصلح أساسا للتعليم! لا تفهم! إلا تلك الأشياء الصغيرة التافهة التي تناسب عقليتها وطبيعتها من رعاية النشء “لأن عقلها صغير كعقل الأطفال فهي أقرب إلى مستواهم ومن ثَمَّ فهي أصلح لتربيتهم في سنواتهم الأولى حتى “يعقلوا” فيتولاهم “الرجال” وإدارة شئون المنزل والغزل والنسيج اليدوي وما أشبه ذلك من الفنون.
أما العلم فلا! تلك مزية الرجل التي حباه الله بها فاختصَّ بها خلال القرون.
أوتجيء المرأة اليوم فتنازعه هذا الاختصاص؟! وأنَّى لها وهي لم تهيأ أصلًا لتلقي التعليم؟
وماذا تفعل بالتعليم بعد أن تتزوج وتصبح ربة بيت؟ فعندئذ تستوي المتعلمة والجاهلة، بل قد تتفوق الجاهلة عليها؛ لأنَّها نالت من الدربة والخبرة فيه ما لا يتاح للمتعلمة التي تقضي شطر وقتها بعيدًا عن البيت، وهو الميدان الأصلي للتدريب.
ولقد كان في هذا الكلام كثير من الأباطيل ولا شك، وكان متأثرا تأثُّرَاً شديدًا بالنظرة الكنسية المتزمتة إلى الجنس والتي وصلت إلى حد أن “فلاسفة” في القرن السابع عشر كانت “تتفلسف” في هذا الشَّأْنِ فتتساءل: هل للمرأة روح أم ليس لها روح؟ وإذا كان لها روح فهل هي روح إنسانية أم روح حيوانية؟ وإذا كانت روحا إنسانية فهل هي من جنس روح الرَّجُلِ أم من دَرَجَةٍ أدْنَى؟!
ولكن وجها واحدا للحقِّ كان قائما في هذا الكلام كله المحتوي على كل تلك الأباطيل، هو أنَّ التعليم -على النحو الذي كان يراد ويخطط له- كان يشغل المرأة عن وظيفتها الأساسية ويحوِّلُهَا إلى وجهات أخرى تتلقفها فيها الشياطين!
هل اليهود ينشئون الأحداث على هواهم بتدبيرهم الماكر كما يقول “وليم كار”؟!
كلا! إنما هم يستغلون الأحداث، ويتربصون لينفذوا من أي ثغرة تعرض لهم في حياة “الأمميين” ولكنهم لا ينشئون الأحداث من عند أنفسهم مهما خططوا ومهما دَبَّرُوا مئاتٍ من السنين أو ألوفا من السنين!
فلولا أنَّ الجاهلية الأوروبية شَغَّلَتْ المرأة بنصف أجر الرجل، فمن أين كان لليهود أن ينشئوا للمرأة قضية؟ ولولا أنَّ تلك الجاهلية حرمتها من التعليم تحقيرًا وامتهانًا لها فمن أين كان لليهود أن يوسعوا القضية حتى تشمل تعليم المرأة، ثم يحدثوا عن طريق تعليمها كل ما أحدثوا من الفساد؟!
كلا! إن “الأمميين” هم الذين يتيحون الفرصة -بأعمالهم- ليستحمرهم شعب الله المختار ويركب ظهورهم، ولولا أعمالهم الخطائة تلك ما استطاع شعب الله المختار أن يركب، مهما كان في قلبه من الغل، ومهما كان في عقله من التدبير.

وليست القضية -كما أثارتها الجاهلية من جانبيها، جانب المعارضة وجانب التأييد- هي القدرة على التحصيل على ذات المستوى عند كل من الجنسين، إنما القضية هي الإعداد المناسب لوظيفة كل من الجنسين واستعداده النفسي بصرف النظر عن قدرته العقلية.
يقول الدكتور ألكسيس كاريل في كتاب “الإنسان ذلك المجهول L’Homme cet unconnu”(1).
“إن الاختلافات الموجودة بين الرجل والمرأة لا تأتي من الشكل الخاص للأعضاء التناسلية، ومن وجود الرحم والحمل، أو من طريقة التعليم. إذ إنها ذات طبيعة أكثر أهمية من ذلك. إنها تنشأ من تكوين الأنسجة ذاتها، ومن تلقيح الجسم كله بمواد كيمائية مُحَدَّدة يفرزها المبيض، ولقد أدى الجهل بهذه الحقائق الجوهرية بالمدافعين عن الأنوثة إلى الاعتقاد بأنه يجب أن يتلقى الجنسان تعليمًا واحدًا، وأن يُمْنَحَا قوى واحدة ومسئوليات متشابهة.
والحقيقة أن المرأة تختلف اختلافا كبيرا عن الرجل، فكل خلية من خلايا جسمها تحمل طابع جنسها، والأمر نفسه صحيح بالنسبة لأعضائها، وفوق كُلِّ شَيْءٍ بالنسبة لجهازها العصبي، فالقوانين الفسيولوجية غير قابلة للين مثل قوانين العالم الكوكبي. فليس في الإمكان إحلال الرَّغَبَات الإنسانية محلها.
ومن ثَمَّ فنحن مضطرون إلى قبولها كما هي. فعلى النساء أن ينمين أهليتهن تبعا لطبيعتهن ولا يحاولن تقليد الذكور، فإنَّ دورهن في تقدم الحضارة أسمى من دور الرجال، فيجب عليهن ألا يتخلين عن وظائفهن المحددة”.
ولكن الجاهلية -من جانبيها كما قلنا- ركزت على المقدرة العقلية أكثر من أي شيء آخر، فخسر المعارضون حين نجحت الفتاة بل تفوقت أحيانا على الولد، وهلل المدافعون وأمعنوا في إثارة الضَّجة حول قدرة الفتاة التي لا تقف عند حَدٍّ، ومساواتها التامة للرجل في كل شيء!

وقالوا: إن الرجل يخشى المنافسة! يخشى على مكانته “التقليدية” أن تنافسه فيها المرأة فيفقد هذه المكانة! إنها عقدة النقص! لو كان الرجل واثقا من نفسه ما خشي المنافسة! إنه يلجأ إلى “التقاليد” ليحمي امتيازاته! تلك التقاليد البالية المتعفنة التي ينبغي أن تزول! التقاليد التي تحتقر المرأة وتمتهنها وتجعلها مستعبدة للرجل! لا عبودية بعد اليوم!
وقالوا: إن الدراسة الجامعية لا تمنع المرأة عن وظيفتها، فما الذي يمنعها أن تتزوج؟ فقط تؤجل الزَّواج بضع سنوات! ومن أرادت أن تتزوج وتترك الدِّراسة الجامعية فمن يمنعها!
وقالوا: إن الدراسة الجامعية -على العكس- توسع مداركها وتوسع آفاقها فتعينها على أداء وظيفتها! أتريدون أن تكون أمهات أطفالكم جاهلات؟

أوليس الخير لكم أن تكون الأم متعلمة فتحسن تربية أولادها؟!
وقالوا: إن الفتاة يمكن أن تختار من الدراسات الجامعية ما يناسب طبيعتها “الرقيقة اللطيفة” فتدرس الأدب في كلية الآداب. أليست الفتاة رقيقة المشاعر رقيقة المزاج؟ أوليس الشعر والأدب يرقق المشاعر ويوسع الخيال؟!
فأي مانع لديكم؟! وتدرس الطب لتطبب النساء، أي مانع لديكم؟! وتتخرج مدرسة لتعليم البنات، أي مانع لديكم؟!
ولكن بقيت -مع كل ذلك- عقبة غير ذلول.
التعليم الجامعي معناه الاختلاط.. اختلاط الفتيات بالشبان في الجامعة.. ودون ذلك يحول الدين والأخلاق والتقاليد “ولم يفكر أحد -من طرفي الجاهلية: المؤيدين والمعارضين- في عمل جامعات نسوية خاصة بالفتيات”.
وكانت تلك العقبة هي البندقة الصعبة الكسر كما يقولون في أمثالهم … فقد تشبث المعارضون بالتعلق بالدِّينِ والأخلاق والتقاليد في وجه قضية الاختلاط.
واحتال المدافعون لتزيين الاختلاط في بادئ الأمر، ثم لجئوا في النهاية إلى الكشف عن وجوههم جهرة، ومهاجمة الدين والأخلاق والتقاليد مهاجمة صريحة حين أصبح ذلك -بالدَّقِ المستمر- أمرًا في حيز الإمكان.
وقالوا: إن الاختلاط ذاته أداة للتهذيب!
ألا ترون إلى الشبان في مجتمعاتهم كيف تجري بينهم الألفاظ الخشنة والألفاظ الخارجة…. أيجرؤ أحدهم -في حضرة الفتيات- أن يتلفظ بلفظ خارج؟
بل إن الاختلاط أداة لنفي خواطر الجنس!

وابتلع “الأمميون” الكأس المسمومة … وشربوها حتى الثمالة!.
ولا شك أن الأمميين ما كانوا ليدركوا أبعاد اللعبة بكاملها.. وإلا فإن البقية الباقية من الدين والأخلاق والتقاليد كانت قمينة أن تردهم عن الخوض في المستنقع الآسن لو رأوه على حقيقته منذ أول خطوة!
وكذلك سار الشياطين بالأمميين، يجرونهم خطوة خطوة حتى أغرقوهم في المستنقع الآسن!

احتدمت المعركة كثيرا بالنسبة لدخول الفتيات في الجامعة … ولكن النهاية كانت كما كان متوقعا -من سير الأحداث- أن تكون؛ دخلت فتيات قليلات في مبدأ الأمر إلى الجامعات معظمهن في كليات الآداب … وكن بلا شكَّ هن أجرأ الفتيات في ذلك الحين.

وهذه البقية من الحياء هي التي عمل الشياطين على قتلها والقضاء عليها، فما تصلح الخطة كلها إن بقي عند الفتاة شيءٌ من هذا الحياء الفطري الذى خلقه الله في الفطرة السليمة سياجا يحمي الفتاة من السقوط والتبذل، وميز به أنثى الإنسان عن إناث الحيوان(2).
ولكن الجاهلية المعاصرة التي يقودها اليهود ويقودون الناس إليها تأبى هذا التميز الفطري عن الحيوان، سواء في قضية العفة أو في قضية الحياء.. لذلك جردوا حملاتهم على الفتاة لتكون قليلة الحياء!

وفي الوقت ذاته جردوا حملات التشجيع لكل فتاة خلعت حياءها وأصبحت قليلة الحياء.. فالمجلات تنشر الصور، وتشيد “بالتحرر” وتكتب التعليقات التي تجعل كل فتاة تتمنى أن لو استطاعت من لحظتها أن تتجرد من حيائها كله لتصبح شهيرة ومعروفة وموضع حديث بين الناس.. والشهرة شهوة لا ينجو من جذبها أحد من البشر -رجالا أو نساء- إلا من رحم ربك! ومع كل ذلك فقد استغرق الشياطين قرابة نصف قرن حتى أذابوا أو أزالوا البقية الباقية من الحياء، كما أزالوا البقية الباقية من الدين والأخلاق والتقاليد.
امتد الاختلاط البريء كما كان متوقعًا من حجرة الدرس إلى فناء الجامعة.

لقد كانت هناك طبقة فاسدة -دائما- في المجتمع هي طبقة “الأرستقراطيين” أصحاب القصور، وهذه يعرف عنها الاختلاط “غير البريء” وتنشر فضائحها على المجتمع وتتناقلها أفواه الناس.. ولا تبالي! لأنها -دائما- بتأثير الترف الفاجر الذي تغرق فيه ضعيفة الإحساس بالقيم والمبادئ، والقيم الخلقية بصفة خاصة.. وانظر إلى امرأة العزيز في مجتمع آخر وزمان آخر مختلف كل الاختلاف ولكنه يلتقي في هذه النقطة مع كل مجتمع مترف في التاريخ.. انظر إليها كيف تصارح نساء طبقتها بالفاحشة ولا تبالي أن يتحدث المجتمع عن “فضيحتها”.. إنما تغضب غضبا “طبقيا” فقط؛ لأنَّ ألسنة النسوة تستنكر منها أن تتجه بنزوتها إلى عبد مملوك لها، وإن كانت لا تستنكر النزوة في ذاتها، ولا تعترض عليها لو كانت مع رجل أو شاب من “طبقتها”(3)!

ولقد كانت هذه الطبقة في أوروبا تحت تسلط اليهود من قديم كما مر بنا من قبل، ييسرون لها البغاء المترف في المدينة، ويوقعونها في الدين والربا ذي الأضعاف المضاعفة، ويسلبون ثرواتهم عن هذا الطريق.
ثم سنحت لهم الفرصة لإفساد طبقة أخرى من طبقات المجتمع حين تحرر عبيد الإقطاع وجاءوا إلى المدينة شباباً فارها بلا أسر، فيسرت لهم البغاء الشعبي ووضعت “الدولة” حارسة أمينة عليه! وزادت الفرصة سنوحا لإفساد هذه الطبقة -طبقة العمال- حين بدأت المرأة التى هجرها عائلها في الريف تفد للعمل في المصانع، وتفرط في عرضها لقاء لقمة الخبز، فصار الفساد في داخل الطبقة قريب المنال.
ولكن هذا وذاك لم يكن كافيا، ولم يكن ليحقق مطامع اليهود في المجتمع الجديد “المجتمع الصناعي المتطور”.
إن “الأرستقراطية” -سواء الأرستقراطية الإقطاعية البائدة أو الأرستقراطية الرأسمالية الناشئة- لا تستطيع -بفسادها- أن تفسد المجتمع كله، لأنها -دائما- معزولة في قصورها وحفلاتها الماجنة الخاصة، تحتمي في داخل تلك القصور من العيون المتطلعة، وتمنع عدواها في الوقت ذاته عن الناس؛ لأنَّ جرثومتها “طبقية” لا تعمل إلا داخل القصور ولا تُعْدِي إلا أصحاب القصور!
ولقد كان المطلوب بالذات هو إفساد الطبقة الجديدة الناشئة في المجتمع الرأسمالي، التي تُسَيِّر الأمور -ظاهريا على الأقل- في ذلك المجتمع الجديد، وهى الطبقة المتوسطة.

لقد كانت الديمقراطية الناشئة في المجتمع الرأسمالي الناشئ تنمو تدريجيا، وكانت في أثناء نموها تبرز بصورة متزايدة الطبقة المتوسطة، التي لم يكن لها وجود في المجتمع الإقطاعى، أو كان وجودها ضعيفا لا يؤبه به.
وفي ظل الديمقراطية كانت هذه الطبقة الجديدة تناضل لكي تصبح هي الطبقة الحاكمة، وتنزع السلطان من الذين استقلوا به من قبل، وطغوا به على “الشعب” وهو الأغنياء أصحاب الأموال(4).

لذلك كان لا بد في تخطيط المخططين من إفساد هذه الطبقة بالذَّات، فإن فساد الطبقة الأرستقراطية وطبقة العمال -مع فائدته التي لا شك فيها بالنسبة لليهود- لم يكن ليؤدي الدَّوْرَ المطلوب في إفساد المجتمع بأكمله، حتى تفسد الطبقة المتوسطة التي تقوم بالدور الأكبر والأخطر في رسم الصورة الظاهرة لهذا المجتمع، والتي في يدها -في ظاهر الأمر على الأقل- مقاليد السلطان.
والجامعة هي المكان الرئيسي لتخريج الكثير من أفراد هذه الطبقة، أو البارزين منهم على أقل تقدير. لذلك كان التركيز على أن يبدأ الفساد من هناك..؛ ومن هناك ينتشر في جميع الأرجاء.

ولكن “تطورات” كثيرة كانت تحدث في تلك الأثناء.. كانت ألسنة اللهب تمد مدا لتحرق أشياء جديدة في مجالات جديدة.. كان أبرزها إثارة قلب المرأة حقدا جارفا على الدين والأخلاق والتقاليد.. على أساس أن كل ما تطالب به المرأة هو حقوقها المشروعة، وأن الذي يقف في سبيل نيلها لهذه الحقوق هو هؤلاء الأعداء الثلاثة: الدين والأخلاق والتقاليد..؛ فلتذهب جميعها إذن إلى غير رجعة، لتنال المرأة حقوقها وتستريح.
وكان هذا لأمر يراد..
كان يراد إحراج صدرها ضد الدين والأخلاق والتقاليد لتنسلخ هي منها أوَّلا، ثم لا تربي أبناءها عليها فيما بعد؛ لأنَّ ذلك هو الضمان الوحيد لإفساد المجتمع فسادا لا رجعة فيه!
لقد جرب المخططون من قبل محاولة إفساد المجتمع عن طريق إفساد الرجل وحده فلم تنجح التجربة بالصورة المطلوبة.. إن الشاب مهما فسد في فترة شبابه فإنه يعود إلى ما لقنته له أمه في طفولته من مبادئ الدين والأخلاق والتقاليد، عندئذ أدركوا أنه لا بد من إفساد الأم ذاتها لكي لا تلقن أطفالها تلك “المبادئ” التى تعرقل خطوات الشياطين.. فلتكن المعركة إذن حامية بين المرأة وبين الدين والأخلاق والتقاليد، لكي تحطمها بنفسها، ولكي تكون في مناعة كاملة منها حين تصبح أُمَّاً ذات أطفال..
لقد كانت مسألة إقحام المرأة في ميدان العمل جزءا رئيسيا من الخطة الشريرة.
فإخراجها من البيت لتتعلم، وإشاعة الاختلاط والصداقات بين فتيان الجامعة وفتياتها، وتعويد المجتمع على قدر من الفساد الخلقي، وتحطيم التقاليد التي كانت تمنع ذلك كله.. كل ذلك مفيد ولا شك، ولكنه ليس كفاية!
ما زالت المرأة -بقدر ما- خاضعة للرجل في الأسرة والمجتمع، وما زال هذا القدر من الخضوع عائقا يعوق المرأة عن مزيد من الفساد؛ لأنَّ الرجل يعارض في توسيع مجالات المرأة ويريد أن يربطها بوظيفتها وببيتها وأولادها، لذلك كان لا بد من إخراج المرأة نهائيا من سيطرة الرجل، ليتم للمخططين كل ما يريدون.

وهل من وسيلة لكسر هذه السيطرة أفضل من أن تعمل المرأة و”تستقل” اقتصاديَّاً عن الرجل؟  ولتكون خطوة هامة في إفساد الطبقة الوسطى، أداة التوجيه الجديدة في المجتمع الجديد.
وبطبيعة الحال لم يقل المخططون للأمميين إنهم يريدون أن يثيروا الخبال في صفوفهم -بتشغيل المرأة المتعلمة وإبعادها عن بيتها وعن وظيفتها- وما كان من الممكن أن يكشفوا لهم عن لعبتهم ليوقظوهم من غفلتهم، إنما قالوا لهم إنه “التطور”! وإنه تطور “حتمي”!

أما المرأة فقد قالوا لها إن هذا حقها “الطبيعي” وإنها ينبغي أن تتشبث به ولا تتنازل عنه ولا تتخاذل في الكفاح من أجله. وأغريت المرأة بكل وسائل الإغراء لكي تهجر بيتها وتخرج إلى “المجتمع”!
وفعلت اللعبة الخبيثة فعلها، وسَرَتْ كالسُّمِّ في دماء الأمميين.

استقلت المرأة اقتصاديا وتمردت على قوامة الرجل، كما تمردت على الدين والأخلاق والتقاليد.. وانفلتت -كما أريد لها- بلا ضوابط ولا قيود؛ وسارع الشياطين إلى انتهاز الفرصة المتاحة من كل جوانبها.
فالآن فلتنشط بيوت الأزياء وبيوت الزينة، بعد أن انحلت العقدة الكبرى التى كانت تبطئ خطى الفساد(5)؛ ولتنشط معها الصحافة لنشر الأمر على أوسع نطاق؛ ولتكن هناك مجلات خاصة بالمرأة، وركن خاص بالمرأة في الصحف والمجلات غير المتخصصة، وليكن حديثها عن “المودة” مغريا إلى الحد الذي لا تفلح الضوابط في مقاومة إغرائه، خاصة وقد انحلت عقدة الحياء.
ولقد كان المخططون لا يريدون أن يكون الزواج هو الذى يحكم علاقة الرجل والمرأة، أو -على الأقل- لا يريدون أن يكون الزواج هو الصورة الوحيدة لهذه العلاقة إن لم يستطيعوا -الآن- أن يقضوا قضاء مبرما على الزواج.
ألم تسمع إلى قول “دور كايم”: “كان المظنون أن الدِّينَ والزواج والأسرة هي أشياء من الفطرة.. ولكن التاريخ يوقفنا أن هذه النزعات ليست فطرية في الإنسان!”. لقد كان “العالم الكبير” يقوم بدوره -على طريقته- في تحطيم الزواج والأسرة، والآن تقوم العصابة الأخرى -على طريقتها- بذات الدَّوْرِ.
ينبغى أن تحل “الصداقة” محل الزَّواج، وأن يتم فيها كل ما يتم في الزواج ولكن دون رباط مقدس ولا أسرة ولا أولاد!
يقول “ول ديورانت” الفيلسوف الأمريكي في كتابه “مباهج الفلسفة”(6):

“فحياة المدينة تفضي إلى كل مُثَبِّطٍ عن الزَّواج، في الوقت الذي تقدم فيه إلى الناس كل باعث على الصِّلَةِ الجنسية وكل سبيل يسهل أداءها. ولكن النُّمو الجنسي يتم مبكرًا عما كان من قبل، كما يتأخر النمو الاقتصادي. فإذا كان قمع الرغبة شيئا عمليا ومعقولا في ظل النظام الاقتصادي الزراعي فإنه الآن يبدو أمرا عسيرا وغير طبيعي في حضارة صناعية أجَّلَت الزواج حتى بالنسبة للرجال حتى لقد يصل إلى سن الثلاثين، ولا مفر من أن يأخذ الجسم في الثورة، وأن تضعف القوة على ضبط النفس عما كان في الزمن القديم، وتصبح العفة التي كانت فضيلة موضعا للسخرية”(7). ولا يناقش “ول ديورانت” تلك الأسباب التي قال إنها تعطل الشباب عن الزواج الباكر، إنما يأخذها أمرا واقعا وقضية مسلمة وينظر إلى آثارها كذلك على أنها أمر واقع لا حيلة فيه أكثر من كلمة أسى عابرة يقولها ويدعها تمضي تصيب من تصيب!
ولكن! أهي حقا كذلك؟ أهي أمر لا مفرَّ منه؟
من الذي وضع العوائق في طريق الزواج، ثم وضع الصداقة “أو البغاء!” بديلًا من الزواج، ثُمَّ زعم أنه تَطَوُّرٌ حَتْمِيٌّ جاء به الطور الاقتصادي الجديد؟! إنهم -كلهم- يهود!
ودارت العجلة دورتها فأحدثت كثيرا من الشر.
ولندع “ول ديورانت” نفسه يصف جانبا من هذا الشر، كما وجده في بلاده في أوائل هذا القرن، وكما تخيل نتائجه المقبلة. وإن كان الواقع الذي حدث بالفعل أفظع بكثير مما تخيله في ذلك الحين:
“ولسنا ندري مقدار الشر الاجتماعي الذي يمكن أن نجعل تأخير الزواج مسئولا عنه. ولا في أن بعض هذا الشر يرجع إلى ما فينا من رغبة في التعدد لم تهذب؛ لأن الطبيعة لم تهيئنا للاقتصار على زوجة واحدة. ويرجع بعضها الآخر إلى ولاء المتزوجين الذين يؤثرون شراء متعة جنسية جديدة على الملال الذي يحسونه في حصار قلعة مستسلمة. ولكن معظم هذا الشر يرجع في أكبر الظن في عصرنا الحاضر إلى التأجيل غير الطبيعي للحياة الزوجية. وما يحدث من إباحة بعد الزواج فهو في الغالب ثمرة التعود قبله. وقد نحاول فهم العلل الحيوية والاجتماعية في هذه الصناعة المزدهرة، وقد نتجاوز عنها باعتبار أنها أمر لا مفر منه في عالم خلقه الإنسان. وهذا هو الرأي الشائع لمعظم المفكرين في الوقت الحاضر”.
“وأكبر الظن أن هذا التجدد في الإقبال على اللذة، قد تعاون أكثر مما نظن مع هجوم داروين على المعتقدات الدينية. وحين اكتشف الشبان والفتيات -وقد أكسبهم المال جرأة- أن الدين يُشَهِّر بملاذهم التمسوا في العلم ألف سبب وسبب للتشهير بالدِّينِ. وأدى التزمت في حجب الحياة الجنسية والزهد فيها إلى رد فعل في الأدب وعلم النفس صوَّر الجنس مرادفا للحياة”..
“وكانت الحرب العظمى الأولى آخر عامل في هذا التغيير. ذلك أن تلك الحرب قوضت تقاليد التعاون والسلام المتكونين في ظل الصناعة والتجارة، وعَوَّدت الجنود الوحشية والإباحية، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها عاد آلاف منهم إلى بلادهم فكانوا بؤرة للفساد الخلقي. وأدت تلك الحرب إلى رخص قيمة الحياة بكثرة ما أطاحت من رءوس، ومهدت إلى ظهور العصابات والجرائم القائمة على الاضطرابات النفسية، وحطمت الإيمان بالعناية الإلهية، وانتزعت من الضمير سند العقيدة الدينية.

وبعد انتهاء معركة الخير والشر بما فيها من مثالية ووحدة، ظهر جيل مخدوع، وألقى بنفسه في أحضان الاستهتار والفردية والانحلال الخلقي. وأصبحت الحكومات في واد والشعب في واد آخر، واستأنفت الطبقات الصراع فيما بينها. واستهدفت الصناعات الربح بصرف النظر عن الصالح العام، وتجنب الرجال الزواج خشية مسئوليته، وانتهى الأمر بالنساء إلى عبودية خاملة أو إلى طفيليات فاسدة. ورأى الشباب نفسه وقد منح حريات جديدة تحميه الاختراعات من نتائج المغامرات النسائية في الماضي(8) وتحوطه من كل جانب المؤثرات الجنسية في الفن والحياة”..

إن إخراج المرأة من البيت ودفعها إلى العمل في الخارج -أيا كانت الدوافع التي أدت إليه، وأيا كانت النوايا الكامنة وراء ذلك- قد أحدث دمارا عنيفا في المجتمع، لا يمكن الإحاطة بكل أبعاده؛ لأنه ما زال يلد شرورا جديدة حتى هذه اللحظة.
إن تخصيص المرأة للبيت لوظيفة الأمومة ورعاية النشء لم يكن ظُلْمَا للمرأة، ولا تحقيرًا لها، ولكن الجاهلية هي التي جعلته كذلك حين عيرت المرأة بأنها تحمل وتلد ولا تصنع غير ذلك!
كل جاهلية من جاهليات التاريخ عيرت المرأة بوظيفتها وجعلتها تشعر أنها دون الرجل من أجل هذه الوظيفة.. بينما يقول الوحي المنزل من عند الله: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} (9).
فالوصية هي بالوالدين كليهما، ولكن التكريم الأكبر هو للأم التى حملته وهنا على وهن.
فالمنهج الرباني الذي خصص المرأة لوظيفتها لم يعيرها بها، ويجعلها مهينة من أجلها، بل كرمها من أجل تلك الوظيفة وأكرمها وهي تقوم بها، وقال لها إن قيامها بهذه الوظيفة هو سبيلها إلى رضوان الله والجنة، كما أن القتال في سبيل الله هو طريق الرجل إلى رضوان الله والجنة، فجعل هذه مكافئة لتلك؛ لأن الله يعلم سبحانه أن هذا هو الميزان الصحيح الذي يقيم الحياة البشرية بالقسط، ويعلم خطورة الدور الذي تقوم به المرأة في رعاية البيت وتنشئة النشء، ويعلم كذلك مدى الفساد الذي يمكن أن ينشأ حين تهجر المرأة وظيفتها من أجل أي شيء آخر في هذا الوجود، فضلا عن أن يكون هذا الشيء هو مجرد اللهو والعبث والفساد الخلقي!
ولكن الجاهلية التي يسيطر عليها اليهود ويوجهونها قد ضربت بالمنهج الرباني عرض الحائط.. واتبعت وحي الشياطين فأي شيء أصابها حين فعلت ذلك وأي خبال؟!
فأما الفساد الخلقي فحدث عنه ولا حرج!
لقد ظل الرجل “يكافح” ضد “حقوق المرأة” ردحا من الزمن غير قليل ويعارض -بالذات- مزاحمتها له في ميدان العمل. ولكنه أخيرا لان في معارضته، بل كف عنها نهائيَّاً وتحمَّس لمشاركة المرأة له في جميع الأعمال! لأنَّه حسب الحسبة فوجدها رابحة! وأربح ما فيها سهولة الحصول على المرأة في المكتب والمصنع والنادي والشارع والمرقص والملعب.. في كل مكان!

فإن كان دنيء الحس حيوانا فالبغاء الرسمي وغير الرسمي ميسر، والمحترفات كثير! وإن كان مهذبا! “متحضرا” “مترفعا! ” فهناك “الصداقة” وهي متاحة أبدًا بحكم الزمالة والاختلاط المستمر، وفي الصَّدَاقَةِ يقضي حاجة الجنس كلها، ومعها “تقدير” المجتمع لتهذبه وتحضره وترفعه، وقضائه حاجة الجنس مع الهاويات لا مع المحترفات.
أما هي فقد رضيت بتلقي “عواطف” الرجل ومغازلاته وإطرائه “لجمالها” و”فتنتها” و”رشاقتها” و”جاذبيتها” .. ورضيت كذلك بتلقي نزوات جسده؛ لأنَّها هي أيضا تطلب الجنس!

ألم يقل لك فرويد في التفسير الجنسي للسلوك البشري إن الإنسان كله طاقة جنس متحركة تسعى لإثبات الذات عن طريق ممارسة الجنس؟ وإن التحقيق الأكبر للذات هو الذي يتم عن طريق الجنس؟! ألم يقل ماركس إن المرأة في المجتمع الصناعي تتحرر؛ لأنَّها تستقل اقتصاديَّاً عن الرجل فتتحرر من سلطانه فتفقد قضية العفة أهميتها؟!

__________

1 ص108، 109 من الطبعة الثالثة من الترجمة العربية لشفيق أسعد”.

2 أشرت في الجزء الثاني من منهج التربية الإسلامية إلى قصة كانت مشهورة في النصف الأول من هذا القرن، حيث عثر على فتاة كانت تعيش منذ طفولتها حتى السابعة عشرة من عمرها مع الغزلان، عارية تماما بغير حياء، فاستأنسها العلماء، وظلوا يستردونها إلى الإنسانية خطوة خطوة، فلما بلغت مدى معينا من الحس البشري أحست -تلقائيا- بحياء الأنثى الفطري، وتغير سلوكها عما كانت عليه من قبل وهي تعيش في عالم الحيوان.

3 انظر تفسير الآيات في “ظلال القرآن”.

4 سنرى من بحثنا للديمقراطية فيما بعد أن الطبقة المتوسطة نالت حقوقا كثيرة لم يكن لها وجود من قبل، ولكن السلطان الحقيقي ظل في يد الرأسمالية الحاكمة من وراء الستار.
5 بيوت الأزياء الكبرى كلها يهودية وكذلك بيوت الزينة، واليهود يكسبون منها كسبًا مضاعفًا، يكسبون أرباحا خيالية لا تدرها الصناعات الأخرى ويكسبون سريان الفساد كالسُّمِّ في مجتمع الأمميين.

6 “ص126، 127 من الترجمة العربية”.

7 يلجأ “ول ديورانت” إلى التفسير المادي للتاريخ يفسر به اختفاء العفة من المجتمع الصناعي وانتشار الفاحشة فيه حتى تصبح هي الأصل المعترف به وتصبح العفة مثار السخرية. وليس هذا هو التفسير الحقيقي لذلك التحلل الخلقي الذي حدث في المجتمع الصناعي، إنما هو راجع -كما رأينا في هذا الفصل- إلى ذلك المخطط الشرير الذي يهدف إلى إفساد البشرية.

8 يشير إلى وسائل منع الحمل والوقاية من الأمراض السرية، الأمران اللذان وفرتهما الحضارة! وإن كانت التقارير الأخيرة تشير إلى أن هذه الأمراض لم يمكن القضاء عليها رغم كل المحاولات المبذولة، بل إنها آخذة في الانتشار الذريع!

9 سورة لقمان: 14.

ما قيمة العفة؟ من ذا الذي يحرص اليوم عليها؟
إنَّ الرجل ذاته قد تبلد حسه، وفَقَدَ عرضه، ولم يعد يهتم! – إلا من رحم الله -؛ بل إنه في سبيل لذاته الحيوانية الهابطة قد رحب كثيرا بهذا التطور الذي يسَّرَ له تحقيق رغباته دون تحمل أي مسئولية على الإطلاق.. لا مسئولية مخالفة قواعد الأخلاق ومجافاة التقاليد.. فقد ذهبت الأخلاق والتقاليد، ولا مسئولية تحمل أعباء أسرة في مقابل الإشباع الجنسي، فالإشباع قد أصبح بهذا “التطور” متاحا بغير مقابل؛ ولا المسئولية “الجنائية” “فالصداقة” تمنع الجزاء!
وأما هي فما الذي يمنعها؟ الحياء؟! وماذا كان يفعل الشياطين طوال كل هذه السنوات إلا قتل هذا “العدو” الفطري وإنشاء فتاة “جديدة” “متطورة” قليلة الحياء؟!
من أجل ذلك “طفح” الجنس.. في الشارع والغابة والنادي والملعب والمرقص، والقصة والمسرح والسينما وغيرها، ووصل إلى درجة التهتك والحيوانية التي يتعفف عنها بعض أنواع الحيوان!
وأما تفكك الأسرة فحدث عنه كذلك ولا حرج!
وكان إخراج المرأة للعمل هو المعول الأكبر لتحطيم الأسرة وإن لم يكن هو المعول الوحيد.
فبادئ ذي بدء فَقَدَ البيت سكنه وسكينته وأصبح كما قال “ول ديورانت” بحق أشبه بالفندق الذي يأوي إليه المكدودون ليقضوا فيه فترة الليل ثم ينطلقون منه في الصباح كُلٌّ إلى طريق.
وفَقَدَ الأطفال الأم.. الأم المتخصصة لرعايتهم التي يجدون عندها الحنان الفطري والرعاية اللازمة، فحين تعود الأم العاملة مكدودة كما يعود الرجل، فإنها لا تجد في نفسها ولا أعصابها فضلة تمنحها للبيت، لا للزوج ولا للأطفال.
وعبثا تحاول الجاهلية -أو يحاول الشياطين- أن يقولوا إن الأم الصناعية في المحضن تغني عن الأم الحقيقية في البيت، فالواقع هو الذي يكذب الدعاوي الكاذبة كلها ويفندها(1).
ولم يكن غياب الأم عن البيت هو العامل الوحيد في تحطيم الأسرة وتشريد الأطفال.. فهناك عنصر آخر لا يقل خطورة هو غياب “سيطرة الأب”.
إن وجود “القوامة” في البيت أمر قرَّره الله {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}(2) والذي أودع في الفطرة البشرية سماتها ونوازعها وهو العليم الخبير، الذي يعلم ما يصلح لهذه الفطرة وما يصلحها.
ومن توفيقاته -سبحانه- أن أوجد في نفس الرجل السَّوَيِّ القدرة على القوامة والرغبة إليها، كما أوجد في نفس المرأة السَّوِيَّةِ الرغبة في قوامة الرجل والاطمئنان إليها: {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} (3)
ولكن الشياطين أرادوا أن يلغوا هذا كله؛ لأن وجوده على هذه الصورة “مفسد” لمخططاتهم وعائق ضخم في سبيل الفساد الذي يسعون إليه. لذلك قال “علماؤهم” إنه ليست هناك فطرة! وإن قوامة الرجل ليست أصلا من الأصول الثابتة في الحياة البشرية. إنما هي انعكاس لوضع اقتصادي معين، يتغير ويتبدل حين يتغير الطور الاقتصادي ويدخل الناس في طور جديد.
وجاءت بقية العصابة -بكل وسائل الإعلام التي تملكها- فنفخت في المرأة روح التمرد على القوامة، بدعوى المساواة الكاملة في كل شيء. فهي تقبل الرجل “زميلًا” و”صديقًا” تمنحه جسدها ويعطيها الإشباع الجنسي.
ولكنها لا تقبله قيِّما في البيت ولا في المجتمع ولا في شأن من شئون الحياة!
ومن ثَمَّ لم يعد للرجل في الأسرة ذلك السُّلطان، إنما أصبح السلطان إما للمرأة التي تريد أن تثبت شخصيتها، وإما منازعة دائمة بين الرجل والمرأة في البيت، كل يريد أن يثبت أنه هو صاحب السلطان! وكلا الحالين مفسد لترابط الأسرة ومفسد للأطفال.

وأخيرًا جدًا اعترفت المؤتمرات التي تنعقد لدراسة مشكلة الأطفال الجانحين ويشترك فيها علماء من كل نوع، في علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الجريمة والقانون.. إلخ. اعترفوا بأن غياب سلطة الأب في البيت والمجتمع سبب من الأسباب الرئيسية في تشرد الأطفال من ناحية؛ وزيادة نسبة الشُّذُوذِ الجنسي من ناحية أخرى!!
ومع ذلك فليس عمل المرأة ولا الشِّقاق الدَّائم في البيت ولا غياب سلطة الأب هي الأسباب الوحيدة لتحطيم الأسرة!
فهي -قبل ذلك- محاربة الميل الفطري إلى تكوين الأسرة من منبعه!
ألم يقل عالمهم “دور كايم”: كان المظنون أن الدِّينَ والزَّواج والأسرة هي أشياء من الفطرة ولكن التاريخ يوقفنا على أن هذه النزعات ليست فطرية في الإنسان؟!
ثم جاءت بقية العصابة فوضعت كما قال: “ول ديورانت” كل المُعَوِّقَات في طريق الزواج وكل المرغبات في الإباحية الجنسية. ولقد كانت “الصداقة” بين الرجل والمرأة هي الأداة الكبرى في يد العصابة لتحويل الفطرة عن مسارها.. ففي تلك “الصَّدَاقَةِ” يجد الرجل والمرأة المنحرفي الفطرة كل مطالبهما!
فإذا كانت الأمور كذلك فلماذا الأسرة “ووجع الدماغ”؟!
فأما إن حدث الزواج بعد ذلك كله.. فهناك البيت المفكك وهناك نسبة الطلاق المتزايدة(4) وهناك تشرد الأطفال!
وأما عن القلق النفسي والعصبي فتلك تقاريرهم تغني عن الحديث.. يصيب الجنون من أفراد الشعب الأمريكي أكثر من المصابين بأي مرض آخر من الأمراض الفتاكة.. والعيادات النفسية منتشرة في غرب أوروبا وأمريكا بدرجة ملحوظة، ومن “الروتين” المعتاد في الحياة الغربية أن يذهب الإنسان إلى العيادة النفسية مرة على الأقل كل شهر إن لم يكن مرة كل أسبوع لمعالجة القلق النفسي والاضطرابات العصبية! (5)؛ وقد صارت مشكلة الأحداث الجانحين مشكلة دائمة للمجتمع الغربي. تجتمع لها المؤتمرات كل عام.. ثم تتزايد كل عام؛ إنهم الأطفال المشردون الذين تركتهم أمهاتهم من أجل العمل في المكاتب والمصانع والمتاجر، وللهو والعبث في الليل، والذين فقدوا توجيه الأب الحازم؛ لأنَّ الأب ذاته قد فَقَدَ كيانه في معركته مع “المرأة المتحررة” والذين علمتهم السينما والتليفزيون كيف يصبحون مجرمين!
كيف استطاع اليهود أن يحدثوا هذا الشر كله في الأرض؟!
إنهم -في الواقع- لم يكتفوا بإفساد أوروبا وإنما هم فقط بدءوا جولتهم من هناك.. ولكن هدفهم لم يكن مقصورا على أوروبا، ونشاطهم الشرير لم يقتصر على الغرب، إنما هم نشروا الفساد في الأرض كلها عن طريق أوروبا بعد إفسادها!
ففي خلال القرون الثلاثة الأخيرة كانت القوة السياسية والعسكرية والعلمية والمادية لأوروبا في تزايد مستمر، وكانت أوروبا تغلب بقوتها على العالم كله، والعالم الإسلامي بصفة خاصة، ومن خلال غلبة أوروبا على الأرض كلها، وعلى العالم الإسلامي، نشر اليهود سمومهم فشملت “الأمميين” جميعا -إلا من رحم ربك- وأدخلتهم في المخطط الشرير الذي يحدد التلمود هدفه ووسائله:
“الأمميون هم الحمير الذين خلقهم الله ليركبهم شعب الله المختار”.
فيكف استطاع اليهود أن يحدثوا هذا الشر كله في الأرض؟!
لقد خططوا ودبروا وحاولوا خلال ألفي عام أو أكثر فلم يصلوا إلى شيء مما يريدون.. إنما الذي جعلهم يقدرون في القرون الثلاثة الأخيرة هم الأمميون أنفسهم، بما أتاحوا لهم من ثغرات ينفذون منها، وما أتاحوا لهم من فرص للإفساد.
والثغرة الكبرى كما أسلفنا كانت تحريف الدين وتشويهه على يد الكنيسة.
إنه حين يكون للأمة دين حقيقي، معمول به في واقع الأرض، فإنَّ اليهود -بكل قدرتهم على الشر- لا يستطيعون أن يصنعوا شيئا ضد هذه الأمة مهما حاولوا؛ والتعبير القرآني في آية آل عمران يلفت النظر: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} أي: لن يضروكم في عقيدتكم، ولن يؤثروا في دينكم، ولا في قيام حياتكم على مقتضى هذا الدين. إنما يؤذونكم فقط بأي نوع من الإيذاء؛ فإنَّ القتال نوع من الإيذاء. والسباب نوع من الإيذاء. وتأليب الأعداء نوع من الإيذاء كما حدث ما بين اليهود وقريش. والعدوان على بعض الأفراد نوع من الإيذاء. ولكن تبقى الأمة سليمة ما بقي لها دينها، أي: المنهج الذي تقوم حياتها عليه وتستقيم.
أما في أوروبا حيث لم يكن هنالك دين حقيقي، فقد استطاع اليهود أن يضروا -لا بالإيذاء فقط- ولكن بتغيير قواعد الحياة كلها، بل بمسخ الفطرة البشرية ذاتها، وتحويل الناس إلى دواب يركبهم الشعب الشرير.
ومع ذلك فإنَّ اليهود لم يتقدموا للعمل الجاد في إفساد أوروبا إلا حين بدأت أوروبا تتخلى عن كل القيم المستمدة من الدين.
لقد كان الدين مشوها نعم، وليس هو الدين المنزل من عند الله. ولكنه كانت يحمل شيئا من آثار الدين السماوي: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} (6). نسوا حظا ولكنهم لم ينسوه كله؛ وهذا الجزء الباقي الذي لم يكونوا قد نسوه هو الذي حال بين اليهود وبين أن يعيثوا فسادا في أوروبا بضعة قرون.

فلما أمعنت الكنيسة في الفساد والإفساد.. لما طغت كل طغيانها الذي تحدثنا عنه، وحاربت العلم، وحاربت حركات الإصلاح، ووقفت مع الطغاة ضد المظلمون.. وحين فسدت أخلاق رجال الدِّينِ فصاروا كما قال سبحانه: {إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (7).
حين حدث ذلك كله أخذ الناس في أوروبا ينفرون من الدين وينسلخون منه، لا يفرقون بين ما قدمته لهم الكنيسة من الأباطيل وما أنزله الله من الحق.. ولا يسعون في الوقت ذاته إلى اعتناق الدين الصَّحيح.. عندئذ وُجِدَتْ الفرصة التي يترقبها اليهود ليعيثوا فسادًا في الأرض، وبدءوا ينشطون نشاطهم الشرير الذي ظل يتصاعد من القرن الثامن عشر -على الأقل- إلى القرن العشرين.
الذي حدث بالضبط أن الأممين في أوروبا -بابتعادهم عن الدين وانسلاخهم منه- هم الذين استحمروا أنفسهم للشعب الشيطاني ودعوه أن يركب فوق ظهورهم ليوجههم كيف يشاء!
“الناس” هم الذين أمدوا اليهود بالحبل الذي مكن لهم في الأرض في الوقت الحاضر..
السينما مؤسسة يهودية أقامها اليهود للإفساد في الأرض، فكل فتى أو فتاة أصابه جنون السينما فهو “حبل من الناس” يمد اليهود.. ويمدهم بالمال الذي يربحونه من هذه التجارة النافقة، ويمدهم بالفساد في ذات نفسه فيحقق لهم مخططهم الشرير.
بيوت الزينة والأزياء يهودية.. فكل فتاة أصابها جنون الزينة وجنون “المودة” هي “حبل من الناس” تمد اليهود، تمدهم بالمال من ناحية؛ وتمدهم بالفساد في ذات نفسها وفي الشباب الذي تتولى فتنته بتبرجها فيحققان لهم مخططهم الشرير.
جنون الجنس أطلقه اليهود على البشرية، فكل فتى أو فتاة أصابه جنون الجنس فهو “حبل من الناس” يمدهم باستعباد نفسه للشهوات التي تهبط به عن آدميته فيصبح في متناول مخططهم الشرير.
جنون الكرة من أنواع الجنون التي أطلقها اليهود على البشرية، فكل فتى “أو فتاة! ” أصابه جنون الكرة فهو “حبل من الناس” يمد اليهود، يمدهم بتفاهة اهتماماته وانصرافه عن معالي الأمور إلى سفسافها(8) وانصرافه عن الاهتمامات الجادة والنظر فيما يحيط به من أحوال!
الربا من أفتك أدوات اليهود وأفعلها في التخريب. فكل صاحب مال أودعه عند اليهود في مصارفهم ومؤسساتهم فهو “حبل من الناس” يمد اليهود بأرباح طائلة يقوون بها أنفسهم ويتحكمون بها في اقتصاد العالم كله، وبالخبال الذي يصيب حياته من الربا:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} (9).
الأمميون” هم الذين استحمروا أنفسهم “لشعب الله المختار”. وذلك بتخليهم عن الوقاية الطبيعية التي تحميهم من كيد الشيطان: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} (10).
والكنيسة -بالنسبة لأوروبا- هي المجرم الأكبر الذي أتاح لليهود أن يتلفوا أوروبا ويشيعوا فيها من ألوان الفساد: الفكري والروحي والخلقي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي ما لم يجتمع بهذا الحجم وهذه الصورة في التاريخ: مَسْخٌ كاملٌ للفطرة البشرية ونَكْسَةٌ لم تنتكسها البشرية في تاريخها كله، رغم كل الإمكانيات المادية والعلمية المتاحة للبشر، والتي كانت حَرِيَّة أن ترتفع “بالإنسان” إلى الآفاق العليا بعد أن يفرغ من قضاء ضروراته الجسدية فإذا هي تُغْرِقُه في عالم الضَّرورة وتحبس روحه بل تطمسها وتهبط بالإنسان إلى درك من الحيوانية يتعفف عنه الحيوان.

وحين برزت أوروبا فقد برزت بكل جاهليتها، وبكل الفساد الذي كانت تحمله في أطوائها نتيجة إفساد الكنيسة لدين الله المنزل، فأتاحت للشعب الشرير المتربص للإفساد أن يركب وأن يُلْهِبَ ظهورها بالسَّوْطِ ليقودها في طريق الشيطان.
وزاد الأمر سوءًا حين زاد تفريط هذه الأمة في دينها حتى لم تعد تؤدي شيئا يذكر من رسالتها لذات نفسها، فضلًا عن رسالتها العالمية بطبيعة الحال، وحينئذ أتيحت الفرصة لأوروبا الصليبية أن تقهر العالم الإسلامي وأن تدخل أرض الإسلام لتَدُكَّ حصونها من الدَّاخل، وأتيح لليهود -من خلال الحملة الصليبية الغازية- أن ينشروا سمومهم في العالم الإسلامي ذاته، بنفس الوسائل التي نشروا بها سمومهم في أوروبا، سواء كان ذلك بأيديهم مباشرة أو بأيدي الصليبيين الذين يقومون بذات الدور ضد الإسلام لحسابهم الخاص!
ومن ثَمَّ دخل “الأمميون” المسلمون في ذات الدَّوَّامة، وصاروا هم أنفسهم -إلا من رحم ربك- يمدون الحبل لليهود! وتم لليهود ذلك السلطان الذي أشارت إليه الآية الكريمة على سبيل الاستثناء من الذلة الدائمة المفروضة عليهم: {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} (11).
الأمة المسلمة إذن هي المسئول الأكبر عمَّا أصاب البشرية كلها من الخبال على يد اليهود. فقد أنزل الله إليها النور، وأنزل إليها الرسالة الخاتمة وشرَّفها بخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، لا لتتلهى بذلك كله، وإنما لتكون -بكل ثقلها، وبكل فاعليتها- جهدًا دائمًا؛ وحركة دائمة لنشر النور والهداية في الأرض.
فإذا تخلت فمن يحمل الرسالة؟!
وإذا تخلت فأي شَيْءٍ في الأرض يحول دون الشعب الشرير المتربص للإفساد؟!
وإذا كان تخلي الأمة المسلمة عن رسالتها هو الذي أتاح الفرصة لليهود ليحدثوا في الأرض كل هذا الشر عن طريق الأمة الجاهلية التي تَوَلَّت السلطان حين تخلى المسلمون.. فإنَّ عودة المسلمين إلى الإسلام هي التي تنهي دور اليهود في الأرض وتعيدهم إلى حجمهم الطبيعي: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} (12).
{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} (13).
والبشرية اليوم قد كفرت كما لم تكفر في تاريخها كله، فأنكرت وجود الله جهرة، ومنعت منهجه أن يحكم حياة الناس في الأرض، فاختار الله شر خلقه -اليهود- ليذيق البشرية كلها بأسهم جزاء وفاقا على هذا الكفر الذي ليس له مثيل في نوعه ولا في حجمه في التاريخ … والله يقول: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (14).
ومن هنا نرى أن تسليط اليهود على “الأمميين” اليوم ليس خارجا عن سنن الله ووعده ووعيده كما جاء في كتابه الكريم؛ الذي نستطيع من خلاله أن نحكم أنها فترة استثنائية يعودون بعدها فيدخلون في الأجحار.. حين يعود المسلمون إلى الإسلام.

__________

1 اقرأ بشأن أطفال المحاضن كتاب “أنا فرويد”: “أطفال بلا أسر”.
2 سورة طه: 50.
3 سورة الملك: 3.

4 بلغت نسبة الطلاق في بعض الولايات الأمريكية 40% من عدد المتزوجين وهذا غير حالات الهرب من بيت الزوجية وحالات الخيانة مع استمرار الزواج الصوري.
5 أشرنا من قبل إلى أن القائمين على العيادات النفسية معظمهم من اليهود، وهم يعالجون الأمراض النفسية بمزيد من الخلل في النفوس ومزيد من الإباحة الجنسية!

6 سورة المائدة: 14.

7 سورة التوبة: 34.

8 قال صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا”؛ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ خَالِدُ بْنُ إِلْيَاسَ، ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَالْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ.

9 سورة البقرة: 275.
10 سورة النحل: 99، 100.

11 سورة آل عمران: 112.

12 سورة البقرة: 61.
13 سورة الأعراف: 167.

14 سورة الروم: 41.

Download | التحميل