كتاب الثورة : للشيخ المجاهد محمد صلاح

شارك هذا الموضوع:

كتاب الثورة : للشيخ المجاهد محمد صلاح

في الثقافة الثورية

(1) محــاضرة في الثــورة

الثورة:

تحرك شعبي ( منظم ) لإحداث تغيير جذري في نظام الحكم والنظام الاجتماعي والنظام الاقتصادي .. بإسقاط الطبقة الحاكمة ومؤسساتها ومحاسبتهم .. ويتحقق ذلك بوسائل سلمية وعنيفة .. ثم .. إحلال نظام جديد محل النظام القديم .. وبناء بيئة اجتماعية وثقافية جديدة .. وتقديم برنامج اقتصادي طموح يضمن تكافل الشعب ويلبي مطالبه .. وإعداد أدوات ووسائل تضمن الحفاظ علي روح الثورة وتأمين مسيرة النظام الجديد ..

الثورة هي: تضحية جيل لتحيى أجيال بكرامة وعزة .. التضحية والفداء هما جوهر أي حراك للتغيير ..

فالثورة تقوم لرفض قهر لا يمكن احتماله ( سواء كان هذا القهر: عقائدياً .. أمنياً .. اقتصادياً .. سياسياً .. اجتماعياً .. عسكرياً .. استعمارياً حقيقياً أو بالوكالة ) وتجسيد هذا الرفض بالعمل الجماهيري المباشر والمنظم .. مسلحاً كان أو بدون .. في سبيل التخلص من القهر وبناء حياة أفضل.

نلاحظ من التعريف السابق ست عناصر أساسية:

إن كلمة ( منظم ) تعني بالضرورة وجود تنظيم أو جماعة أو حزب يقف خلف الهبة الشعبية .. وأنه مارس نشاطاً دعوياً وسياسياً لتوعية الشعب ونهضته للمطالبة بحقوقه العقدية والإنسانية .. وفي اللحظة التي يصل فيها الشعب لنقطة الانفجار وينطلق للميادين يتولى هذا التنظيم قيادة الجماهير وقيادة الثورة وحراستها والدفاع عنها .. ويعمل على تنظيم الحشود وتنصيب قيادات ميدانية لها .. ويستمر في عمله الدؤوب حتى يسقط النظام ويقيم نظامه ..

1- التغيير الجذري كلمة يستنبط منها القارئ ثلاثة نقاط:

الأولى: وجود نظام قديم له منهج وممارسات فشلت في تلبية رغبات الشعب أو لا تتوافق مع رغباته .. أو نظام يخدم طبقة واحدة ويستعبد باقي الشعب لها .. ويسلبه حقوقه .. أو نظام يستأثر بالمال والسلطة ويبقي شعبه لاهثا حول متطلبات حياته وطموحاته .. والنظام يتشكل من القيادة وحزبها والكتلة البيروقراطية ( الدولة العميقة ) والمؤسسات غير الرسمية الموالية له سواء كانت دينية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية ..

الثانية: وجود برنامج جديد اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا .. يتحرك به الشعب لتحطيم ومحاسبة النظام القديم بكل برامجه ورموزه .. وبالتالي سيكون هناك نظام سياسي واقتصادي جديد .. كما سيظهر على السطح شكل اجتماعي وثقافي جديد .. وسيتم إدارة علاقاته المحلية والإقليمية والدولية وفق نظريته  .. هذه النظام يلبي طموح الشعب ويندفع به للأمام تماشياً مع التطور الطبيعي والتاريخي للشعوب الحرة .. وهو بالتالي يدفع بعجلة التطور الإنساني .. في إطار المنافسة البشرية الحرة في العالم ..

الثالثة:“الثورة تغيير للنظام .. الإصلاح تغيير داخل النظام” .. لا يمكن التصالح أو الإصلاح مع النظام القديم ورموزه وبرامجه في الثورات .. لأن الثورة تقوم على أساس التغيير الجذري لا الترقيع والإصلاح .. فالترقيع والإصلاح يتم تنفيذهما من خلال النظام الحاكم فلا يحتاجان إلى ثورة بل إلى برنامج إصلاحي يتقبله وينفذه النظام الحاكم وقد يرفضه .. ومع سقوط الشهداء فإن المصالحة مع النظام القديم هي خيانة لهذه الدماء .. وفي حالة افتراض جدلي فإن المصالحة مع النظام تولد حالة من الإحباط واليأس لدى الشعب الذي قدم الشهداء والمال تحتاج إلى عقود لعلاجها وهذا ما حدث في تجربة طاجيكستان ..

2- المحاسبة:

تعني وببساطة محاكمة رموز وكوادر النظام السابق ومؤسسات الدولة العميقة .. على ما قاموا به من جرائم في حق الشعب .. أو ما تسببوا فيه من إفساد أو سرقات لمقدرات البلاد .. أو بسبب تبعيتهم وعمالتهم أو وكالتهم لدولة الاستعمار ورعاية مصالحها على حساب مصالح الشعب ومستقبله .. ثم .. استيفاء الحقوق منهم فيرد ما سلب ويعوض عما اتلف .. ويقتص فيما لا يمكن رده أو تعويضه .. ثم .. معاقبتهم على ما كان منهم كل بحسب جرمه .. سجناً .. أو قتلاً: رجماً أو قصاصاً .. وعادة ما تكون المحاسبات دموية بسبب تغول النظام السابق في دماء الأبرياء .. فالثورات لا تعرف الرحمة لأن الثائرين لم يحظوا بها من النظام السابق .. وإن كان يتحتم عليها العدل .. ويتم ذلك من خلال محاكم ثورية تم إعدادها أثناء الثورة ولديها كافة الوثائق عن فظائع وجرائم النظام ورموزه ..

3- العنف:

سمة أساسية في الثورات .. فالعادة أن تبدأ الثورة بالوسائل السلبية التي تزعج النظام .. مثل الإضرابات والاعتصام والمظاهرات والاضطرابات والشعارات التي تمثل مطالب الثوار .. إقامة المتاريس والحواجز .. قطع الطرق .. تعطيل القطارات .. شل حركة المواصلات .. تعطيل المؤسسات الحكومية والمحاكم والوزارات .. ومع قيام القوى الأمنية بقمع الوسائل السلبية .. ومحاولة قتل الثورة في مهدها .. وتغول هذه القوى الأمنية في الدماء بغية قهر الثوار .. تستفيد القوة الثورية من حماقات الأمن في تسريع النضج الثوري .. وتهيئة الأوضاع في البلاد للانفجار .. وعند لحظة الانفجار الثوري .. يندفع الشعب لاستخدام القوة لحسم النزاع مع النظام ومؤسساته العميقة .. يمارس الشعب القوة بأعداد كبيرة بل بأكبر عدد من راغبي التغيير .. ويوجه عملياته لتشمل كل أنحاء البلاد .. وفي توقيت واحد لضمان تفتت القوة الأمنية وإنهاكها وسقوطها .. وفي حالة تدخل الجيش بقمع جنوني .. سواءً كان هذا الجيش عقائدياً أو جيش أقلية حاكمة .. فالشعب يستخدم كل أشكال العنف بحسب ما تحولت إليه ثورته ( حرب العصابات .. الانتفاضة المسلحة .. التمرد في صفوف الجيش والأمن .. .. هجوم الجماهير على المؤسسات العامة .. الحرب السرية: الألغام والمتفجرات والاغتيالات لرؤوس النظام …الخ ) ..

لا توجد ثورات بيضاء أو سلمية .. أنظمة الحكم لا تسمح بهذا .. ولا يحدث تغيير بدون دماء أو أشلاء أو تضحيات .. وتضاف كلمة بيضاء فقط للتنويه أن نسبة الدماء فيها كانت محدودة .. والدماء أن لم تسكب أثناء الانفجار الثوري ستسكب بعده وستراق بكثرة أكبر خلال فترة الدفاع عن الثورة وعند المحاكمات ..

4- البناء:

هو إقامة النظام الجديد خلفاً للنظام السابق .. والشروع في تنفيذ عملية التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي .. فالثورات قامت وتحركت بعقيدة تغيرية تختلف بحسب نوع الثورة .. فالثورة تهدم لتبني .. مثلاً: العقيدة البرجوازية واللبرالية قامت لهدم وإسقاط النظم الملكية والحكم المستبد لتبني نظاماً رأسمالياً برجوازياً وحكماً ديمقراطياً ليبرالياً .. أما العقيدة الاشتراكية فقامت لهدم النظم السابقة لتبني نظاماً اشتراكياً مع حكم ديمقراطي وفق مفهومها الخاص بالاشتراكية .. أما العقيدة الإسلامية فقامت لتهدم النظم السابقة ولتبني نظاماً على أساس التوجيهات السماوية في الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية أي نظاماً رأسمالياً تكافلياً مع حكم إسلامي في جوانبه السياسية والاجتماعية والثقافية وفي نظمه المالية والأمنية ..

عندما تستقر هذه المرحلة تتحول الثورة إلى دولة .. والخوف عليها أن تفقد روح المبادئ التي نشأت عليها فتفقد طهارتها وتعمل وفقا للمصالح المادية .. مما قد يؤدي مع طول الزمان لجمودها .. وحاجتها لثورة جديدة ..

5- التجديد:

لا يمكن لبرنامج الثورة أن يقف بل عليه أن يستمر ناشطا مرناً لمواجهة تغيرات وتعقيدات الحياة ومسيرة العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي .. على مستوى الخارج والداخل .. فالدولة لا تحيا معزولة على الكوكب عن موازين القوى المحلية والإقليمية والعالمية .. والمؤامرات التي يبتكرونها لاستعادة النظام مرة أخرى .. كما أن المجموعة الحاكمة في مسيرة حكمها إن لم تفرخ قيادات ذات قدرة على الابتكار والخيال تتجمد على حالتها الأولى وتخلق فقاعة تتحصن فيها وترفض التطور .. لا بد من تحطيم الفقاعة باستمرار .. المقصود وببساطة أن المؤسسات حينما تستقر تفضل قيادتها الاستمرار بنفس الصورة التي ولدت بها رافضة التغيير .. فلا تراعي مسيرة الزمان والتقدم التقني والذهني وحماسة الأجيال وترفض التطور والتغيير وهى الحالة التي يجب تحطيمها دائما ..

6- التأمين:

تأمين الثوار .. تأمين النظام .. تأمين الشعب .. تأمين الدولة .. الكلمات الأربعة لها مدلول وهو الأمة .. والتأمين يكون .. بالسلاح والقضاء وباقي الأجهزة المتخصصة .. إن الواجب الأول للثورة قبل وأثناء وبعد استلام الحكم هو إنشاء جهاز عسكري أمني لحماية الثورة ومكتسباتها يتبع قيادة الثورة مباشرة .. وهو خطوة مهمة للحفاظ على الدولة الوليدة .. إلا أن تأمين عقل الثوار أيضا مهم .. فلا يُسمح بعودة أذناب النظام السابق بعلة أنهم تابوا .. أو يُسمح لقوى الدعم الإقليمية للنظام السابق بأن تبدأ أعمالا استثمارية بعلة حاجة البلاد .. فعداؤهم سيظل يعمل في الظلام ولا تعاون معهم قبل أن يتم تغيير أنظمتهم الحكمية .. ولا يكون مقبولا أبداً بعد ثورة إبقاء ما فيه تقييد لطموحات الدولة .. من اتفاقيات ومعاهدات إقليمية ودولية تحد من تطورنا التقني أو العسكري أو الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي أو تمنعنا من التقارب من إخواننا في العقيدة أو تمثل خطراً على أمننا القومي .. أو الدخول في منظمات وجمعيات عالمية ليس لها هدف إلا خدمة مصالح القوى العظمى .. حتى نتكلم عن دولة مستقلة حقيقية لا تنتظر أوامر أو توصيات .. ولن يتم ذلك في الحقيقة إلا بتأمين عقل الشعب .. بتوعيته بالمخاطر المحيطة به من قوى الثورة المضادة والداعمين لها إقليميا ودولياً .. وتوعيته أيضا بسبل مقاومتها والقضاء عليها .. فالثقافة الثورية تحصن العقل فلا تخترقه الشائعات .. وتنير الرأي العام الوطني فلا تحبطه المؤامرات .. ويظل التماسك الداخلي للشعب متيناً .. فلا يتسلل الأعداء إليه من خلال قواهم الناعمة .. ويظل عقله منتبهاً .. فيدرك حيل الاستعمار حينما يرغب بالعودة مرة أخرى للسيطرة على البلد من خلال اتفاقيات الدفاع المشتركة .. ويدرك الخلل الكبير عند إرسال البعثات العلمية للخارج ليتم تربيتها على عين الأعداء ووفق أطماعهم .. كما ينتبه للمناورات الإعلامية التي تلبس عليه دنياه بدعاوى ومعتقدات تبعده عن المصلحة الدينية التي عليها مدار حياته .. وكما يكون التأمين بتوعية الشعب بالأعداء كذلك يكون بتوعيته بالأصدقاء أو بالامتداد الحقيقي له وهو مفهوم الأمة .. التي ينتمي إليها عقائدياً .. بغض النظر عن بعض العوامل الأخرى كاللغة أو الموقع الجغرافي أو الأصول العرقية أو غيره .. لأن رابط العقيدة هو الضابط للطموحات والرغبات والأهواء .. وهو الرابط الصحيح لتحقيق مستقبل يجمع الأمة ولا يفرقها .. طالما تخلت النفوس عن أطماعها!! وأنكرت ذاتها!! وسعت لنصرة عقيدتها ..

***

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أسباب اندلاع الثورة:

حتى يثور الشعب فلا بد له من وعي لأسباب معاناته وإدراك لحقوقه المسلوبة .. ويمكن ذلك من خلال التوجيه المستمر لقيادة الثورة .. أو المفكرين وأهل العلم أو عدوى الثورة .. أو بالإدراك العفوي للشعب من خلال الكم الهائل من تراكم الضغوط عليه .. ولكل ثورة خصوصياتها مع اختلاف الزمان والمكان .. إلا أن هناك أسبابا جامعة لكل الثورات .. وقد يكفي للقيام بالثورة تحقق سبب واحد أو أكثر منها .. مما يلي:

1- تشرنق أو تقوقع النظام الحاكم على نفسه في واحدة من الصور التالية:

عندما يعيش النظام ومؤسساته داخل فقاعة ويصبح عاجزاً عن التطور ( إفلاس) وتنقطع صلته مع الشعب .. أو حينما تسيطر شريحة على السلطة العسكر مثلاً وتستأثر بها داخل المؤسسة العسكرية ولا تراعي مبدأ تداول السلطة وتفشل في علاج القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية .. أو عندما يفقد النظام الحاكم مبررات وجوده في الحكم ( أنجز مهمته التاريخية لكنه غير صالح للحكم ) ويصر على البقاء .. أو تعمل المجموعة الحاكمة لتحقيق مصالحها على حساب الشعب وتبرز نفسها كطبقة جديدة لها خصوصيتها وبالتالي لها امتيازات عن باقي المجتمع ولا تراعي مبدأ توزيع الثروة ..عندهاتبدأ الشرائح الأخرى بالتذمر والمطالبة بالتغيير .. فإذا كان النظام متزناً فإنه يقدم إصلاحات ولكنها عادة لا تلبي مطالب المتذمرين .. وإذا كان النظام متخلفاً فإنه يرد بتدابير قمعية تؤدي لمزيد من عزلة النظام ومعاداة الشعب .. ومع كلا النظامين تلوح في الأفق أجواء الثورة التي تتعاظم مع انتشار وزيادة عوامل تفتت النظام ..

عوامل التفتت:تجمد انطلاقة النظام التجديدية وفقدان قوته الدافعة .. ضعف تماسكه الداخلي ..البقاء في الحكم من أجل تأمين المكتسبات .. عندما تكون إجراءاته الإصلاحية لا تلبي مطالب الشعب ولا تحتوي غضبه وتذمره .. عندما يستخدم النظام قوة قمعية تؤدي إلى بعده عن الشعب ومعاداته له .. والشك فيه .. ومضاعفة العنف مع الشعب يؤدي إلى العزلة عنه .. وكلما زادت حدة القمع زادت العزلة .. وزاد تذمر الفئات الأخرى ورغبتها في التغيير .. وكلما زادت النقمة سارت الأزمة الثورية إلى النضج .. وزيادة العنف تعنى تمام إفلاس النظام الحاكم .. وعجزه عن إيجاد أو تقديم حلول تلبي مطالب الشعب .. وأصبح الحوار لا يجدي ولا يفيد إلا في محاولة استغفال الصحوة الشعبية .. وتحول إلى العنف المطلق .. أصبح من المستحيل التغيير من داخل النظام أو القبول به .. وتحتم خلعه والثورة عليه ..

2- الأزمات الاقتصادية:

يصاب الشعب بحالة من القلق العام في مواجهة المستقبل بحالة اقتصادية متردية عادة ما يتحمل هو تكاليف علاجها دون جدوى .. وأصبح الضرع يدر دما لا لبنا .. وحينما يتضاعف القلق من إهمال النظام لعلاجها متجاهلاً طموح الشعب ومطالبه .. وأن انتظار التغيير سيطول كثيراً وربما دون جدوى فلا يكون أمام الشعب حل إلا تغيير النظام ..

3- الانفجار الاجتماعي:

 كما أن تراكم الضغط الاجتماعي الناتج عن نظام يسلب الشعب حقوقه الأساسية .. ويتسلط عليه دون وجود مقابل يمتص غضب الشعب .. ويواجهه بأزمات تحطم مستقبله .. وتنتشر بين الشباب حالة من البطالة .. أو خداع الشعب ببعض الفتات الدستوري أو الاقتصادي .. في حين أن كل السلطة والثروة بيد النظام .. عادة ما يكون هذا النوع من الأزمات مقابل أنظمة وراثية من الأمراء والملوك الذين يرثون البلاد والعباد .. أو أنظمة العسكر الدكتاتورية التي تتحول إلى طبقة إقطاعية لها امتيازاتها ويتم توارث الحكم داخل المؤسسة العسكرية .. وكلا النظامين الملكي والعسكري يتفشي فيهما الثراء .. وتحتكر الاستثمارات .. ويتلقون الرواتب والرشاوى من الخارج ( ملك الأردن – عسكر مصر ) .. ويحظى أبناؤهم بالوظائف العليا في الدولة .. ويمتلكون الشركات العابرة للقارات .. فتصبح السلطة والثروة حكراً عليهم وعلى أبنائهم دون باقي الشعب .. وينفق المال العام على الاحتفالات الخاصة .. وتبدو مظاهر البذخ والترف والإنفاق المستهتر .. ويكون الفساد هو الأصل .. وتتوج المصلحة الأنانية على الرؤوس .. وتتوه المبادئ فلا فرق بين ما هو طاهر وعاهر .. والشرف والوفاء ذكريات من الماضي .. والشعب يعاني من سطوة فسادهم ..ويتضور جوعاً ويعاني فراغاً وفقراً من البطالة .. كل هذا يولد انفجاراً اجتماعياً ..

4- الحروب وما ترتب عليها من هزيمة:

نتائج الهزيمة[1] تزيد من حدة الأزمات الاقتصادية والتبعات السياسية والأعباء الاجتماعية في البلاد .. وتخلق مناخاً مناسباً للثورة .. بسبب المرارة الناتجة عن التضحيات الكبيرة والكرامة المهدورة والمعاناة المالية .. الهزيمة هي المناخ المناسب للثورات لتجديد مسيرة الشعوب .. الدول المنتصرة لا يكاد يذكر فيها اسم الثورة أو مشتقاتها .. والحديث عادة يكون عن بعض الإصلاحات من باب المنافسة السياسية بين الأحزاب ..

5- القهر الخارجي:

عندما يقوم المستعمر ( أو نائبه ) بتجريد الأمة من استقلالها وحريتها السياسية .. وحقها في تقرير مصيرها .. ومعاملة الشعب معاملة من الدرجة الدنيا .. واستغلالهم اقتصادياً بأعمال السخرة .. ونهب ثرواتهم وثروات البلاد .. والعمل على إفقار الشعب .. وأكثر من ذلك بفرض التخلف عليه وحرمانه من التقدم .. والعمل على تجريد الأمة من هويتها الدينية .. وعاداتها وتقاليدها ولغتها وتدمير تاريخها وموروثاتها .. وفرض ثقافة المستعمر ولغته وتاريخه وأخلاقه .. هذه العوامل تؤجج روح التحرر الوطني .

6- العبث بالمعتقدات والاستهزاء بالمقدسات:

هي محاولة من أنظمة الحكم ( خاصة في الدول الإسلامية ) لتغيير دين الشعب وتغريبه بوسائل ناعمة .. لتكسير وإتلاف موروثه العقدي واستقراره الاجتماعي والذي يمثل مفهوماً لدى الشعب أقوى من مفهوم الأمن القومي .. أو تحدي الشريعة السماوية ومحاولة إشباع الشهوات المحرمة بالقوة والجهر بها وإرغام المجتمع على قبولها .. أو محاولة عدو خارجي يدين بعقيدة مختلفة احتلال البلاد بشكل مباشر ويبدأ في هدم ما هو عقدي حسياً ومعنوياً .. فينتفض الشعب في حالة هيجان يبدأ بشكل عفوي غيرة على موروثاته .. سرعان ما تنضبط مشكّلة انتفاضة مسلحة هادرة تعم أرجاء الوطن .. وعادة ما تكون دموية وحادة وسريعة .. وتلقى قبول في كافة الأوساط الاجتماعية داخل الدولة .. وتؤيد من قبل محيطها العقدي حول العالم .. ويتم دعمها بالمال والرجال منهم .. وتحسم حربها خلال عقد من الزمن يزيد أو يقل قليلا .. ونظراً لأن القائمين بها تجربتهم في الحكم جديدة .. مما يجعلها تمر بسلسلة من الأخطاء على المستوى الاجتماعي والسياسي .. إلا أن الأحداث والنصائح والاستعانة بالخبرات من محيطها العقدي يؤهلها تدريجا لإحسان برنامجها التغيري .. وتصل للنضج وفهم إشكاليات إدارة البلاد مع الوقت .. والشعب يتحملها ويلتمس لها الأعذار ويدعمها ويصبر عليها لأنه يدرك طهارة هذا التغيير وطهر الأيدي القائمة عليه .. ( حركة طالبان أفغانستان ) ..

هذه الأسباب منفردة أو مجتمعة يطلق عليها الجانب الموضوعي في الثورة .. وهي لا تسبب قيام الثورة دون وجود الشق الثاني وهو الجانب الذاتي .. المتعلق بمدى وعي الشعب وإدراكه ورغبته في التحرر .. وهنا تبرز الحاجة إلى مجموعة ثورية ناضجة تعمل على توعية الشعب .. فتعلمه حقوقه .. وتوضح حقيقة الدور الذي تمارسه الحكومة في سرقته وإذلاله .. وقهره واستعباده .. وتبين له وسائل التغيير .. ومراحلها وما هو مناسب لوضعهم .. وتتولى قيادة الثورة وتعمل على إنضاجها .. وهذه تسمى مرحلة الإعداد والتجهيز للثورة ونفصل فيها لاحقاً ..

***

 

 

 

 

 

 

النظرية الثورية: ( الفكرة .. العقيدة )

للثورة سمات أساسية تحدد النظرية: تطور تاريخي نابع من المعاناة .. ضرورة العنف .. تحقق هدف الثورة بإعادة بناء كل شيء .. استقرار الأوضاع ..

وبالتالي النظرية الثورية هي:

الفكرة التي قامت الثورة لتحقيقها .. تغيير نظام الحكم بنظام يحقق طموح الشعب العقدي والإنساني .. وتحرك تحت لوائها الثوار مستخدمين القوة في التغيير .. في البدء انتفض الثوار ضد الملكية المطلقة والطغاة .. ( الأسرة السعودية واستئثارها بالسلطة والثروة وتسلطها على الإنسان وهدمها للدين .. نموذج محتمل لقيام ثورة عليه ) .. من أجل بناء عالم جديد .. إن جملة “عالم جديد” فسرت بعد ذلك بنظام الحكم والاقتصاد والنظام الاجتماعي والثقافي ..

والعقيدة تدور حول مجموعة من الجمل التي تتجسد في الواقع العملي  [ تغيير جذري عنيف .. ضد نظام غشوم .. لإنشاء نظام حكم جديد .. ونظام اقتصادي جديد .. ونظام اجتماعي وثقافي جديد .. ] ..

ولتحويل النظرية إلى برنامج عمل يلزمنا جانب واقعي موضوعي .. وجانب ذاتي إنساني .. فمن الممكن أن تتوفر الظروف الموضوعية ( الوعي بأسباب الثورة ) ولكنها تفتقر إلى الشق الثاني ( إرادة التغيير ) فلا تقوم الثورة .. وكما سبق الإشارة يجب العمل بالشقين معا .. وبالتالي فالثوريين وحدهم هم القادرون على إحداث التغيير .. لأن التغيير يلبي مطالب شعبهم الذي يمثلونه .. ويشكلون طليعته التي تقدم أسمى معاني الوفاء للعقيدة بالتضحية بالنفس في إطار عنف الثورة ..

وعلى الجانب الأخر فإن النظام الحاكم ( ملكياً كان أو جمهورياً أو غيره ) .. يعتقد أن عقيدة التغيير الثوري عقيدة هدامة .. وأن استمرار النظام السياسي وبرنامجه الاقتصادي هو ضروري لكل مجتمع منظم .. وثبات الطبقات الاجتماعية يضمن الاستقرار النوعي في المجتمع .. وترويجهم هذا طبيعي فالأسرة والطبقة الحاكمة معها لا تهتم بخط التطور السياسي والتاريخي والاجتماعي .. قدر اهتمامهما بثبات الأوضاع الملائمة لها وبقائها على حالها .. وهو ما يؤصل للدفاع المستميت عن حكمهم .. ويجعل من الثورة عملاً عنيفاً .. سواء كانوا يواجهون ثورة .. أو يخشون من عدوى الثورة المجاورة ..

***

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مراحل المسيرة الثورية:

 

من المهم أن نؤكد دائما على الخصوصية لكل بلد وكل زمان .. وطبيعة الثورة وأهدافها .. لكن هذا لا يمنع من وجود مراحل متعاقبة بشكل عام تسير وفقها الثورات:

1- مرحلة الإعداد والتحضير:

( تشكيل النواة الثورية) وهي مجموعة من المفكرين الثوريين الذين تلتقي أفكارهم حول التناقضات في البلد .. ويتبنون علاجها وحلها بالقوة .. ويقومون بوضع الاستراتيجية والتكتيك .. ورسم أهداف الثورة والأساليب التي ستستخدمها لتحقيق هذه الأهداف .. من خلال إنتاجهم الفكري .. وأدائهم العملي ..

يلي ذلك توعية الشعب بالواقع والحقوق وإفهامه بالنظرية الثورية .. ثم يتم التحالف بين الفئات المقهورة وفق برنامج الحد الأدنى .. ويبدأ التحريض الثوري على نطاق واسع مع الاستفادة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد .. للوصول إلى نقطة الانفجار أو النضج الثوري .. وهي اللحظة التي تشتد فيها الأزمة الثورية إلى أبعد مدى من جراء تزايد أعمال القمع وتصاعد حدة التناقضات الداخلية .. ويتساقط الضحايا .. وتتولد قناعة لدى الشعب بأنه لم يعد هناك أمل بحل الأزمة سلمياً .. وأن مجرد التفكير السلمي هو خيانة للدماء الزكية الطاهرة التي أريقت على أرض الوطن في سبيل مطالب الثورة ..

إستثمار اللحظة التاريخية:قد يكون الوعي الثوري موجوداً .. كما أن إرادة التغيير حاضرة .. ولكن .. لحظة البدء لم تحن حتى يأتي سبب لحظي يفجر الشرارة مثل اغتيال شخصية شعبية .. أو تعذيب الأمن لبعض الأفراد وقتلهم بشكل سافر .. أو منع اجتماع شعبي .. أو إضراب عمالي .. أو صدام محدود مع قوى الأمن .. أو اعتقال زعامة شعبية وتاريخية .. أو حوادث اليأس والإحباط والقهر التي تضطر بعض اليائسين أن يقدموا على الانتحار حرقاً أو شنقاً .. أو ثبات جيل جديد في الميادين ضد قوى القمع يهيج جموع الشعب ( 25 يناير مصر ) .. أو غير ذلك من الحوادث البسيطة التي يمكن تجاوزها في الأحوال العادية ولكنها تؤدي إلى الانفجار في الأزمات الثورية ..

وعلى المجموعة الثورية الانتباه لتفاعل الشعب مع مسيرة الثورة .. وعدم انتظار قدوم لحظة الانفجار بسلبية بل العمل على تسريع الوصول إليها .. مع الانتباه التام لعدم استباق لحظة الانفجار والذي يؤدي للإجهاض .. أو التأخر الذي يفوت الفرصة المناسبة ..

يرافق هذه المرحلة عدد من التظاهرات والإضرابات .. وتنتشر الشعارات التي تعبر عن الثوار ..

2- مرحلة العمل الثوري لإسقاط النظام القديم

أشرنا إلى جزء منها عند الحديث عن العنف الثوري في البند الخامس من الملاحظات على التعريف .. وابتداءً نؤكد على أن مجال الأفكار والابتكار فيه مفتوح متطور مع تطور العصر والإنسان .. أضيف لما سبق بعض الملاحظات الهامة للثوار .. فهم يواجهون عدة قضايا أساسية:

أولاً: بطش الأمن والجيش ..

على الرغم من الخسائر اليومية والتي قد تكون ضخمة في بعض الأيام إلا أنه لا يجب أن تخلو الشوارع من المتظاهرين .. وقد يكون من المناسب بداية عدم الرد على العنف بعنف لعدة أهداف:أولهم: إحداث انشقاق وتفتت في صفوف القوة الأمنية .. وثانيهم: تفويت الفرصة عليها .. بإظهار العمليات القذرة للجيش والأمن التي يقوم بها بغية تشويه الثوار .. فيقوم بحرق الوزارات وغيرها .. وتفجير المساجد والكنائس لإشغال الشعب ببعضه .. ويضحي بعدد من ضباطه وجنوده فيقتلهم بيده .. ويهلك بعض الإعلاميين والصحفيين .. ويخنق علماء الأديان الموالين له .. ويتوسع في صفحة القتل ويبتكر في مجال الإعدام والمحاكمات .. وثالثهم: إتلاف أعصاب قائد النظام فهو وإن كان مجرماً إلا أنه بشر يجري عليه ما يجري عليهم .. فيخرج على الإعلام يتفوه بعبارات غير مفهومة وتهديدات مبطنة وشائعات مفبركة وأكاذيب مفضوحة .. يقف متلعثماً تائهاً زائغ العينين .. فيكشف عن حالته النفسية وضعفه وقرب انهياره .. فيفقد المقربون منه الثقة في قدرته على الاستمرار فيساعد على سرعة تفرق مؤيديه داخلياً وخارجياً ..

التصدي لقوات القمع هو أول تحدى يواجه الثوار وهى قوات اعتادت على البطش المبالغ فيه بلا ممانعة من الضحية .. كونها تعمل في أوساط مدنية عاجزة عن الدفاع عن نفسها .. أما وقد خرج الناس إلى الشوارع وهم مصممون على التصدي والانتصار .. فإن تلك القوات تفقد معنوياتها بسرعة .. وتكتشف في نفسها ذلك الخوار المهين وضعفها الداخلي .. وذلك شأن كل طاغية يخفى بوحشيته الظاهرة خواءً وضعفاً .. يفضحه وقت احتدام المعارك الحقيقية مع جنود التغيير ولو كانوا ظاهرياً ضعفاء .. إلا أن قواهم الداخلية تتجلى لأعين أعدائهم فيفرون رعباً ..

ابتكرت العقلية الأمنية العربية جهازاً جديدا لحراسة النظام ( البلطجية .. الشبيحة ) .. وهذا بتوجيه ودعم من المخابرات الأمريكية نقلاً عن فكرة (فرق الموت ) في أمريكا اللاتينية .. هؤلاء يجب استثناؤهم من قواعد الانتفاضة الشعبية .. فهؤلاء ليسوا نتاجاً طبيعياً من صلب المجتمع .. بل هم نتاج سفاح بين النظام القائم والفقر الذي طوقوا الشعب به .. فهؤلاء التقطهم النظام من الشوارع والأرصفة .. هؤلاء لا يفهمون معاني مثل الكرامة أو الوفاء أو الأمان أو الحرية .. فقد عاشوا في ذل وقلق وشك وغضب وتشربوا بالخيانة .. وجبلهم من رباهم على الحقد الأعمى على الشعب .. وعملية احتوائهم إن لم تكن مستحيلة فهذا ليس وقتها .. فهم لن يفهموا مشاعر الرحمة ولن يدركوا معاني العفو ولا أرحام لهم أو قرابة لتردعهم .. وبالتالي لا بد من مواجهتهم بكل حزم ليكونوا عبرة لرجال الأمن الذين يرتدون زيهم.

في المرحلة التي يتحرك فيها الثوار لاحتلال المؤسسات والهيئات الأمنية والحكومية .. لا بد لهم من العنف والسلاح لتصفية الجيوب الأخيرة للنظام وإسقاطه .. وقد ترى قيادة الثورة ضرورة القيام بعدد من العمليات المدروسة بدقة .. وقد يكون من المناسب في بعض الحالات الرد على العنف بالعنف خشية تفكك الثورة وتعرضها للإرهاب .. ويتعين العنف عند نقطة الانفجار الثوري فتنطلق المجموعات المنظمة لإحداث التغيير بالقوة.. 

إن فلسفة التغيير الإسلامية التي تصبغ أي ثورة .. قائمة على أمرين: الأول القضاء على السلطة السياسية لتتحرر العقول وتمتلك إرادة الاختيار بمنتهى الحرية وتتحمل توابع ذلك في الدنيا والآخرة .. الثاني القضاء على مؤسسات النظام القديم لتضمن سلامة مسيرة التغيير بلا عراقيل وقلاقل تشغلهم عن هدفهم .. ويستحيل أن تنجح ثورة سلمية كانت أو مسلحة دون القضاء على القوى الرئيسية المثبتة للنظام القديم قضاءً تاماً حقيقياً وليس معنوياً .. قضاءً بما تعنيه حروف الكلمة .. تحت مبدأ بلال بن رباح t “لا نجوت إن نجا” ..

ثانياً: استمرارية بناء قوتهم الشعبية ومجموعاتهم العسكرية ..

البناء مسألة حيوية بالنسبة للثورة .. سواء في المجال المدني أو العسكري .. والتوقف عنه أو عدم الالتفات إليه يؤخر التطور المنشود بعد وأثناء الثورة .. والبناء يبدأ مع اليوم الأول لانطلاق الدعوة أو الفكرة الثورية والتفاف الناس تدريجياً حولها .. لكن الدولة عندما تسقط بيد الثوار بعد أحداث عنف وفقد طاقات وكوادر وربما قيادات كبيرة .. تظل في حاجة دائمة للشخص الثوري الكفء الذي يكون أميناً على إدارة مؤسسة من مؤسسات الدولة .. أو بعض فروعها ..

الدولة لا تترك الثوار يبنوا عناصرهم .. فما أن تستشعر المناخ الثوري يهب في سمائها .. حتى تبدأ في استدراج الثوار بقصد القضاء عليهم قتلاً وحبساً ونفياً .. ويتمثل نجاح الثائر في ألا يتركهم يبيدونه .. فلا يتعجل الصدام .. ويتعلم فن التملص والتسلل حتى لا يقع في يدها ..

إن عقيدة الجيش وولاء ضباطه يملي على الثوار نهجا ثورياً معيناً في مراحل مختلفة من الثورة .. مما يستدعي برامج تربية وبناء خاصة تناسب حالة الحرب المعلنة على الثورة .. ولتوضيح ذلك فالجيش الذي يغلب عليه طابع التجنيد الإجباري يكون أقل عنفاً مع الثوار .. بل ينفرط عقده سريعا وينضم الكثير منهم للثورة .. ويناسب هذا الجيش الانتفاضة الشعبية ..

أما الجيوش العقائدية أو الحزبية أو المحترفة التي لا تعتمد على التجنيد أو التابعة لشركات أمن أو الطائفية أو الجيوش التي ينال كبار الضباط بها رشاوى وامتيازات ضخمة أو قوات الاحتلال .. فهذه الأصناف ستتبنى عنفاً بلا حدود وتنفذ جرائم ومجازر ضد الثوار ودفاعاً عن النظام .. والأسلوب السلمي لا يؤدي إلى انهيارها .. بل تتمادى في غيها بشراسة وقسوة بلا رحمة .. وبالتالي فإن حرب العصابات أو انتفاضة مسلحة تكون هي الوسيلة الأنجع لتطور الحالة الثورية .. وإلا لو بقيت الثورة حبيسة المدن تمارس سلميتها فإنها ستتعرض لحرب إبادة بلا رحمة .. واعتقالات وتعذيب حتى الموت .. وتشريد لأسرهم وانتهاك لأعراضهم بغرض كسر إرادتهم .. السلمية في هذه الحالة هي شهادة وفاة وقعها أصحابها .. السلمية هنا هي انتكاسة للفطرة السوية التي تبادر للقتال حتى عند أضعف المخلوقات ..

في التربية الثوريةينبغي المرور بسلسلة من الصدامات الصغيرة المتفرقة في أنحاء البلاد .. بهدف تدريب الكوادر وإكسابهم الجرأةعلى التصدي للنظام وأجهزته القمعية .. والتجرؤ على طرح مشاكلهم والمطالبة بحقوقهم .. وإكسابهم الخبرات السياسية والحقوقية .. وأيضا مهارات الصدام مع طواغيت أجهزة القمع .. وإسقاط هيبة هؤلاء من النفوس .. واكتساب الجرأة في مواجهتهم والاستهانة بالعقوبات مهما كانت .. ثم تصعيد تدريجيلحدة المواجهات .. وتوسيع رقعة انتشارها .. بحيث إذا حانت ساعة الخروج الحاسم إلى الشوارع .. تكون قطاعات من الشعب قد اكتسبت الخبرة والجرأة على المواجهة.

ومن الوسائل التي يمارسها الثوار في هذه المرحلة وسائل سلمية هدفها فقط التعبير عن الرفض وإثارة الرأي العام ضد النظام ومن أمثلتها: المواقع الإلكترونية .. القنوات الإذاعية والتلفزيونية .. الرسومات والشعارات واللافتات في الشوارع .. الأعمال الفنية المتنوعة “الأناشيد والشعر والكوميديا الساخرة والأدب .. ارتداء رموز تعبر عن المقاومة .. نشر ورفع صور لأبطال وشهداء المقاومة .. ارتداء الأقنعة .. عدم دفع الفواتير من كهرباء ومياه وهاتف وسحب الأموال من البنوك وعدم سداد الضرائب .. ومقاطعة الاستفتاءات والانتخابات على كافة المستويات ..

ومن الوسائل التي تكسب الجرأة وتستخدم في مرحلة متقدمة من الصراع مع النظام عندما تصل المقاومة لدرجة عالية من القوة .. تغطية أحداث العنف الحكومي وتسويقه عالمياً للضغط النفسي على النظام .. احتلال منشآت حكومية ووزارات هامة حتى ولو لفترات متقطعة .. إعاقة المواصلات العامة دون إيذاء للمواطنين  من أجل إعاقة سير الأعمال الطبيعي .. إرهاق الحكومة وإرباكها بالطلبات الواقعية وإظهار فشلها وعجزها عن حل المشكلات اليومية والحياتية .. إقامة محاكمات صورية لعناصر النظام وتوقيع العقوبات عليهم .. إنشاء مؤسسات بديلة تتحدى مؤسسات النظام الرسمية في تهميش النظام وجذب مزيد من الجماهير سواءً كانت مؤسسات خدمية أو اقتصادية أو إعلامية ..

وعلى الثوار أن يبتكروا ويبدعوا في الأفكار لإشغال النظام دائماً وحتى لا يجد النظام وضعاً روتينياً يستطيع أن يتأقلم معه ويقمعه ..

ثالثا: الوقت ..

النظام يرغب في القضاء على الثورة سريعاً قبل أن تتفاقم وتتمكن من بناء قوتها الذاتية .. والثوار هدفهم استهلاك قوة العدو واستنزافها وخلق أزمات أمنية واقتصادية وأدبية تحرج أنصار النظام وتساعد على تفتته من داخله .. فالإجراءات القمعية الشرسة تشكل عبئاً معنوياً لحلفاء الداخل والخارج وتضعهم أمام مسؤوليتهم التاريخية أمام مؤيديهم أو شعوبهم لإيقاف الحماقات والجرائم الأمنية .. وتساعد ردود فعلهم ومواقفهم من عزلة النظام وتأهيله للسقوط .. كما أن طول الوقت يخيف أصحاب الأموال والمشروعات .. وكما قيل رأس المال جبان يفر في الأزمات ويتقدم عند الأمن ..

كما أن الثوار[2] يحرصون على إطالة زمن الثورة ليتشرب أفراد الشعب الدعوة ويطمئن القائمون عليها على وجود وحدة فكرية إلى حد ما لها أغلبية نسبية بين جماهير الشعب .. هذه الوحدة توفر لحكومة الثوار القادمة الاستقرار المجتمعي وتساهم في إحباط الثورة المضادة .. الخلاصة في الوقت هو إحسان استخدامه لبناء قوة الثوار وخنق النظام بالأزمات وكسب ثقة الشعب ..

رابعاً: التكافل الاجتماعي ..

إشاعة أخلاق الفداء والتضحية والإيثار .. وأننا أمة واحدة جسداً واحداً إذا اشتكى منه عضو تداعى له الكل .. قال تعالى {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {9} وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ {10} الحشر .. و قال تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ {10}الحجرات.. هي روح هذه الفترة التي تلهم وتثبت الثوار .. وتنشر مناخاً من الإخوة .. كما تؤسس لبرنامج من التكافل الاجتماعي يستمر أثناء وبعد الثورة .. ويكون ذلك من خلال مساعدة الجرحى .. وتنظيم عمليات إمداد المتظاهرين بالطعام والماء والخدمات الضرورية .. كما رأينا في الثورة الليبية الأمهات وهن يطبخن للمجاهدين ..  يتم ذلك من خلال مجهود وتمويل شعبي .. ونلاحظ في يوميات الثورة المصرية ويوميات اعتصام رابعة المجهود الطبي الكبير في علاج المرضى ومداواة الجرحى .. وجميع الأطباء العاملين من المتطوعين .. هذا المناخ يحقق انسجاماً اجتماعياً تسوده الرحمة والوفاء .. ويعمق العلاقات الإنسانية التي سبق وأفسدها النظام الساقط ..

أنظر الفرق بين هذه الحالة وبين الثورات “المخملية” .. التي افتعلتها أمريكا بعد حرب العراق في عدة دول مثل أوكرانيا وجورجيا .. حيث أن تمويل المظاهرات يتم من الخارج .. وملايين الدولارات أنفقت في شراء الوجبات الجاهزة والخيام الحديثة .. وقدمت لهم تغطية إعلامية لا مثيل لها .. ومساندة قانونية من المؤسسات الدولية وجماعات حقوق الإنسان ..

3- مرحلة بناء النظام الجديد

بسقوط النظام الحاكم  تستولي قيادة الثورة على السلطة .. ويكون أول الواجبات تصفية أعداء الثورة من خلال محاكمات ثورية فورية .. أما الواجب الثاني فهو الاستعداد لمواجهة المحيط الإقليمي وتداعيات الثورة عليه وردود أفعاله مع الثوار .. والعمل على إرسال رسائل هادئة تعطي الانطباعات الأولية عن الثوار وتبين شكل برنامجهم الجديد .. وعادة ما تحظى الثورات بقبول محلي وإقليمي ودولي لأنها إرادة الشعب وهذا بخلاف الانقلابات العسكرية .. هذه النقطة وسابقتها لن تجدي نفعا في حال كون الثورة إسلامية أياً ما يكون التيار الذي قام بها .. وبالتالي فعلى المسلمين تصدير الثورة لجيرانهم لإشغالهم عنهم والتفرغ لعملية البناء من طرف .. وبناء حليف جديد من طرف آخر .. أما الواجب الثالث هو إعادة الحياة إلى طبيعتها بحذر .. وإدارة عجلة الاقتصاد لتلافي أزمات ما بعد الثورة .. ثم تبدأ المخاطر تواجه الثورة .. وهذه الفترة في منتهى الدقة ..

عند نجاح الثورة تنتشر حالة من الطلاق السياسيبين حلفاء الأمس .. وبرنامج الحد الأدنى الذي تم التفاهم عليه لم يعد مجدياً .. وشعارات الثورة عفا عليه الوضع الجديد .. ويبدأ نوع من الصراع البارد بين الحلفاء اللدودين .. سرعان ما تشوبه بعض التصفيات .. فالثورات تأكل أبناءها .. إلا أن الفئة الأكثر ظهوراً وقوة وتنظيماً تسيطر على الثورة وتبدأ في برنامج البناء وفق عقيدتها الثورية ..

فإن طالت فترات الصراع والتصفيات تتعرض الثورة لمخاطر جديدة أكثر جدية وأشد ألماً .. فالصراعات تؤدي إلى إضعاف السلطة الجديدة وتفتت قوتها .. وتفتح الباب على مصراعيه أمام الثورة المضادة .. وربما يستغل حالة الفوضى هذه العسكر فيثبون على السلطة كمنقذين ويؤسسون دكتاتورية عسكرية ..

من المخاطر أيضاً التي تواجه الثورة في هذه المرحلة: التدخل الخارجي .. التخريب الداخلي .. انهيار الاقتصاد .. هروب الأموال .. سفر الكوادر.. افتعال الأزمات المالية والاجتماعية .. ضعف الجانب الإداري لقادة الثورة فالنجاح في قيادة الثورة ليس دليلاً على النجاح في إدارة الدولة …الخ ..

لا بد أن يشمل برنامج الثورة الوسائل البديلة لأجهزة الدولة البيروقراطية للقضاء والأمن والجيش والإعلام .. كما لا بد من وجود برنامج واضح للعرقيات والأقليات .. خاصة تلك التي لها عقيدة مختلفة وتحظى بغطاء خارجي ..

عادة ما تستلزم مرحلة البناء قيادة حازمة ( كعمرt ) لفترة من الزمن .. يكون مؤهلاً لاتخاذ قرارات ثورية .. حتى تعبر الدولة المرحلة الحرجة .. وتتمكن من تثبيت النظام الجديد وإحلال المؤسسات الجديدة محل مؤسسات الدولة العميقة .. وتأمين الاقتصاد .. وتوعية المجتمع .. وتأكيد قدرتها الأمنية والدفاعية .. واكتساب الأصدقاء .. وترتيب علاقتها الخارجية .. ثم تبدأ الدولة في أخذ الشكل الطبيعي لها .. هذا إن لم تصيب القيادة حالة مرضية فتستأثر بالسلطة وتحتكر الاقتصاد .. ونعود للمربع رقم صفر من جديد .. ولهذا يروج دائما لنظرية الثورة مستمرة ..

***

يعاب على الثورات العربية:

أنها قامت عفوية ولم تجد من يقودها .. علاوة على قلة الثقافة الثورية لدى الثوار .. مع اختلاف المشارب وعدم وضوح أي برنامج متفق عليه .. إضافة إلى عدم إنشاء أجهزة حماية ولو بسيطة لحماية مكتسبات الثوار وحماية دمائهم .. وهو ما أفقدهم كل شيء .. وهو نذير خطر على باقي الثورات العربية الحديثة .. قد يدفعنا هذا إلى تقييم الثورات العربية الحديثة على أنها انتفاضات شعبية بعضها أُفشل ( ثورة مصر أُفشلت / ثورة اليمن قُلمت ) وبعضها في مرحلة الإفشال ( تونس تحولت لجزء من النظام القديم ) والبعض تحول إلى انتفاضة مسلحة ..

التوصيف السابق يوضح أمر تأسيسي في الثورات [ لم يكن خلف الهبة الشعبية تنظيم أو جماعة أو حزب ] يؤسس لها وينظمها ويقودها ويحميها .. ولذلك سقطت بين مطرقة النظام وسندان محترفي التسلق والركوب على أمال الشعب وطموحه .. إن عدم وجود تنظيم يقود الشعب مفاده أن الثورة بين فكي الضباع .. النظام يحاول إعادة انتاج نفسه .. والمتسلقون يستغلونها وفق قدراتهم على المساومة مع النظام لتحقيق رؤيتهم وللمحافظة على مصالحهم..

ونلخص ما سبق .. الجانب الموضوعي كان حاضراً وبقوة في الثورات العربية الحديثة .. لكن الجانب الذاتي افتقد الكثير من مقومات نجاحه .. القيادة .. الإعداد .. البرنامج .. الأمن .. القوة ..

فهل مؤشرات الثورة الحالية ( ثورة القهر في رابعة العدوية ) ستأخذ بعين الاعتبار سلبيات تجربة انتفاضة يناير .. وتُرممها؟

***

جماهير الثورة وأعداؤها:

الثورة تعبر بوضوح عن هوية طرفي الصراع .. فعندما تخرج جموع الطبقات الكادحة فالطرف الأخر سيكون أصحاب الأراضي والأموال والأمراء والملوك وكلهم مستعبدون لفئات من العمال والفلاحين .. وإذا خرجت جموع المثقفين فالطرف الأخر نظام دكتاتوري مستبد مستأثر بالسلطة سواء كان ملكياً أو جمهورياً أو غيره .. وإذا خرجت جموع التجار والمستثمرين وأصحاب الأموال فالطرف الآخر هو نظام احتكاري مستأثر بالمال .. وإذا خرجت جموع الشعب وكل طوائفه فالطرف المقابل هو عدو محتل أو وكيله على البلاد .. والغريب أن ثورات الدول العربية كلها من النوع الأخير .. والتحركات الشعبية تحركات واعية وحساسة وعميقة وتعبر عن نوع الظلم الواقع عليها .. وتُجسد ذلك في شعاراتها .. عيش حرية عدالة اجتماعية .. سنحيا كراماً .. وهما شعاران يعبران عن احتلال الدولة واغتصاب المقدرات .. احتلال بالوكالة .. واستئثار بالأموال .. أداة الاحتلال كان الجيش الوطني التابع للقوة الغربية الأقوى .. ومغتصبو الأموال هم جيل من القادة العسكريين والسياسيين الموالين للقوة الغربية الأقوى ..

***

قادة الثورات:

في هذا القرن قامت الثورات على الانقلابات المشبوهة التي قامت في منتصف القرن الماضي ونصفه الأخير .. وبينهما تفاوت كبير في الفكرة والمنفذين والداعمين .. في القرن الماضي قاد العسكريون أغلب الثورات مدعومين من القوى الغربية أو الشرقية .. والحقيقة أنها كانت انقلابات عسكرية وليست ثورات مطلقاً .. وقامت الانقلابات ضد أنظمة ملكية مستبدة ومستهترة وتابعة للقوى الغربية أو الشرقية .. وبمعنى أدق أن الغرب أو الشرق يومها تخلص من عملائه الفاشلين بعملاء آخرين من طبقة أخرى .. وعليه فقادة انقلابات أو ثورات القرن الماضي في الحقيقة هم: الدولة الأقوى في الشرق أو الدولة الأقوى في الغرب .. والمنفذين عناصر من الجيش الوطني الذين يدينون بالولاء الكامل شرقاً أو غرباً .. فما حدث لم يكن ثورات شعوب .. وإنما انقلابات[3] بالوكالة لدول الاستعمار الحديث .. ومن وُكل بها وقادها كان عميلاً يعمل ضد شعبه ..

هذا القرن اختلف الوضع إلى النقيض .. نضجت الشعوب كثيراً انتشرت فيها روح موروثاتها الثقافية الدينية .. مرت بتجارب عسكرية وسياسية ضخمة أحيت وعيها ورغباتها ” فلسطين والحروب العربية .. نكبة الإخوان المسلمين .. الجهاد في أفغانستان .. الثورة الإيرانية .. مأساة كشمير .. الصحوة الإسلامية .. الحرب العراقية الإيرانية .. الجماعات الجهادية .. الحرب الأمريكية الأولى على العراق .. الانهيار السوفيتي .. تحطيم جدار برلين .. تحرر وسط أسيا وثوراته الداخلية .. ضرب وإخراج الأمريكيين من الصومال .. المجازر البوذية والهندوسية على المسلمين .. حرب اليمن .. الانتخابات في الجزائر وفلسطين .. نهب الأموال في الخليج ودعم أعداء الأمة بها .. انفصال تيمور .. الجهاد في البوسنة والهرسك .. القاعدة وضربها للقوة الأكبر عالمياً .. إنهاء سيطرة العسكر في تركيا أردوغان .. الحرب الأمريكية على الإسلام في أفغانستان والعراق .. تقسيم السودان ….الخ” .. كل هذه التجارب أحيت الوعي الثوري في الشعوب لتطالب بحقها في الحرية والاستقلال والسلطة والثروة .. ولتسقط وكلاء استعمار القرن الماضي .. وتسقط معهم الثقافة والعادات والسلوك والأخلاق الرديئة التي صبغوا بها الشعب .. ولتعمل على تحقيق طموحها واستقلالها .. وتقدم بلادها وتطورها .. وضمان عدم تبعيتها إلا لموروثاتها التاريخية ..

***

وللأسف .. لم تستكمل المسيرة وتتطور بشكل سليم .. العجيب أنها لم تبرز لها قيادة تندرج تحتها وتقود لحظتها التاريخية .. فانضوت تحت أبناء الوطن القدامى .. وبعضهم مشبوه الانتماء للخارج كالتيار العلماني واللبرالي .. وتفرقت بحسب انتماءاتهم الفكرية المختلفة .. فانقسمت وجرت بينهم العداوة بعد إسقاط النظام .. في مصر انقلاب عسكري استفاد من فوضى نزاع أطراف الثورة .. في ليبيا نذر التقسيم بين الشرق والغرب بعدما تم إقصاء الثوار والقضاء على الجيش فنجت من انقلاب عسكري .. في تونس ارتباك وتربص .. في اليمن خضوع لإرادة الكيان السعودي .. في سوريا الحرب مستمرة .. باختصار افتقدت ثورات القرن للقائد .. تباينت بها المرجعيات الفكرية وفشل أي واحد منها على الحسم .. تلاعب مؤسسات الدولة العميقة وعلى رأسها المجلس العسكري .. وتحالفاته الإقليمية والدولية بالمسيرة الثورية .. بهذه النقاط الأربع دخلت الثورات في معترك جديد .. والمهم بل المهم جداً .. أنها تعرفت على الثغرات .. كما تعرفت بشكل دقيق على عدوها وعناصره .. وهذه هي نقطة النجاح التي يجب أن تنطلق منها الثورة الجديدة .. والتي ستكون إن شاء الله ثورة مسلحة خلال عقد من الزمان ..

***

 

 

أسباب نجاح الثورة أو فشلها:

حتى نحكم على الثورة بالنجاح فلا بد لها من تحقيق أمرين: الأول إسقاط النظام القديم .. الثاني بناء النظام الجديد ..

ومن عوامل نجاح الثورة: تذمر الشعب .. ارتفاع الوعي مع فقدان الأمل في التغيير .. وجود نظرية ثورية تنسجم مع طموح الشعب وتستطيع أن تحركه .. وجود القيادة الثورية ( مجموعة .. بؤرة .. حزب ) قادرة على تجسيد النظرية وتنظيم الشعب وقيادته .. وإدارة البلاد بعد استلام السلطة وفق برنامج واضح المعالم ..

إن عدم وجود هذه العوامل يؤدي إلى اضطراب الثورة وفشلها .. حتى لو نجحت في إسقاط النظام القديم فإنها لا تلبث أن تفشل بعد ذلك في مرحلة البناء .. لأسباب منها: الخلافات الشخصية التي تحطم النواة القيادية .. عدم وجود برنامج سليم تسير عليه أثناء البناء .. الصراع بين فرقاء الثورة على السلطة وتنازع الوزارات .. عدم القضاء على المؤسسات العميقة في الدولة .. استغلال حالة الفوضى وقيام العسكر بانقلاب .. التلاعب بالشعب إعلامياً وإيقاع انقسام كبير فيه .. نجاح الثورة المضادة في تفتيت عناصر القوة والاجتماع في الثورة ..

وقد تحقق الثورة المراد لكن التدخل الخارجي لصالح النظام القديم يجعل الثورة تنتهي إلى الفشل .. وفي هذه الحالة تمارس المجموعة الحاكمة عنفاً مضاداً يتسم بالشراسة .. ويستهدف تدمير الكفاءات الثورية .. وإيقاف التطور التاريخي للبلاد .. كما تلجأ المجموعة الحاكمة رغم ذلك – إلا في الحالات التي تكون فيها متخلفة جداً ومحرومة من الرؤية السليمة – إلى تحقيق بعض مطالب الشعب .. والتقيد تكتيكيا بجزء من برنامج الثورة نفسها ..

وقد تحقق الثورة المراد لكن الثورة المضادة التي تقوم بها المؤسسات العميقة بالدولة مع أنصار النظام القديم .. وبدعم خارجي إقليمي ودولي .. مستغلة حالة الفوضى في مرحلة البناء .. فتعمل وفق تقنيات الثورة في التحريض والتعبئة .. وتعمل على استعادة النظام القديم .. وإذا قلنا أن الثورة هي الانتقال بالبلاد إلى التطور ومستقبل جديد .. فإن الثورة المضادة انتقال بالبلاد إلى واقع أكثر تخلفا .. وأشد عنفاً ..

نجاح الثورة ضد المستعمر يقاس بالقدرة على: طرد المستعمرين وعملائهم وتحطيم سلطتهم .. بناء نظام جديد يضمن تطور البلاد .. ثم تأمين البلاد من الوقوع في حبائل الاستعمار الجديد الذي يحاول العودة متنكراً بثوب اقتصادي أو ثقافي أو على شكل حلف سياسي عسكري ..

نجاح الثورة على الأنظمة الفاسدة يقاس بالقدرة على: تحطيم النظام القديم وإزالته بمؤسساته والاستيلاء على السلطة .. بناء النظام الجديد وبناء واستحداث ما يناسبه من مؤسسات بعقلية جديدة .. تأمين النجاح بحسن إدارة العلاقات بين فئات المجتمع المختلفة لعلاج الأزمات الاجتماعية والاقتصادية بهدف الوصول إلى التقدم والتطور الذي يشبع رغبات ويحقق طموحات الشعب .. إنشاء جهازي أمن ودفاع جديدين ومسلحين تسليحا قوياً إن لم يكن أفضل من الجيش القديم فمثله وبكوادر جديدة تابعين لقيادة الثورة لمواجهة أطماع وأوهام العسكر .. وبدونهما لن تنجح أي ثورة وستكون معرضة للانقلاب عليها .. من الملاحظات المهمة هي ضرورة إخراج جميع الرتب العسكرية الكبيرة المعروف ولاؤها أو التي تم تربيتها تحت عين العدو .. من قيادة القوات المسلحة .. ودعم الجيش بعناصر سياسية من كوادر الثورة ..

***

العدوى الثورية:

ظاهرة تاريخية .. الثورات تنتشر بالعدوى حدث هذا في أوروبا كما حدث في الجزء الصيني من أسيا .. وأمريكا اللاتينية كما تجلى ذلك في الدول العربية .. فعندما تقع ثورة في بلد ما تنتقل العدوى الثورية إلى البلدان المجاورة مشجعة على خلق مناخ ثوري فيه .. خاصة إذا كانت مجموعة الدول المتجاورة تعاني من نفس الظروف التي ولدت الثورة الأولى ..

والعدوى الثورية تختلف عن تصدير الثورة .. فتصدير الثورة محاولة لنقل الثورة من بلد لآخر لم تنضج فيه الحالة الثورية بعد .. في حين أن العدوى هي انتقال طبيعي بين الدول لتشابه الواقع بينهم ..

مقاومة العدوى الثورية

تعاني الدول المجاورة لبلد الثورة من إمكانية انتقال الحالة الثورية لبلادها خاصة مع تشابه الظروف والمناخ .. فتعمل هذه الدول على دعم الأنظمة الساقطة .. ومساعدتها على مقاومة الثورة .. وقمعها .. وتوفر للأنظمة الساقطة السلاح والمال .. والبعد الإقليمي والمجهود الإعلامي .. لذلك نرى النظام السعودي والإماراتي .. واليهودي؟! تحالفوا على تقديم الدعم الإقليمي .. فقدموا السلاح والمال والدعم السياسي .. كما فتح بعضهم العديد من الفضائيات بهدف إسقاط الثورة واستعادة نظام مبارك .. وحاكم الكيان السعودي الآن وعلى لسان وزير خارجيته يطمئن نظام السيسي بتوفير الدعم المادي وتعويض البلاد عن الدعم الغربي الذي تم قطعه ..

وهكذا تفعل الثورات في فضح الحلفاء .. فهل تأمل الأمة الإسلامية من وراء الكيان السعودي موقفاً واضحاً من القضية الفلسطينية .. لقد زايدوا في الرد واتخاذ المواقف ضد السادات .. ثم قدموا المبادرات والوعود .. وعلى رأسها مبادرة آل فرعون حاكم الرياض ..

***

 

 

 

 

 

 

 

في الختام:

الثورة .. تعتبر كالحرب عملاً عنيفاً مدمراً تتعرض فيه البلاد للنكبات والمآسي .. ولكنها تبقى رغم ذلك من العنف العادل ( على اعتبار أن الثورة المضادة عنف قمعي غير عادل ) الذي يستهدف تحرير الإنسان من القهر الوطني أو القهر السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي بعد فشل جميع السبل الأخرى للتحرر .. وتبقى الثورة رغم طابعها العنيف عملاً ضرورياً لكسر القشرة التي تمنع التقدم .. وإعطاء الشعب زخماً يساعده على الانطلاق نحو حياة أفضل .. ومستقبل حر وكريم ..

ولقد أدت الثورات إلى تحقيق منجزات ضخمة في جميع الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية .. وحررت شعوباً كثيرة من الاضطهاد والاستغلال .. وسمحت لها بالمشاركة في بناء مستقبلها ..

***

 

 

 

 

 

 

 

 

على هامش الثورة المصرية[4]:

الثورات وسيلة التغيير لدى الشعوب لا الجيوش .. الانقلابات العسكرية هي وسيلة التغيير لدى الجيوش لا الشعوب .. الجيش عندما يواجه المحتل فهو في حالة حرب لا ثورة .. والجيش عندما يواجه الشعب يكون في حالة فقدان وعي وولاء .. ويكون في حالة انقلاب عقلي وعسكري .. الثورة عادة تلبي مطالب ورغبات الشعب وتحقق طموحاته .. الانقلاب العسكري ينفذ أوامر الجهة التي تقف وراءه بقهر الشعب وتدمير أحلامه .. عقيدة الثورة السعي إلى الأمام وفق التطور الطبيعي لرغبات الشعوب ومرجعياتها العقدية ووفق شريعتها .. الانقلاب يسير بالبلاد للخلف وفق الهوس الدكتاتوري والشذوذ الفكري لقادة الانقلاب .. عادة ما يكون العنف في التحول الثوري أكبر منه في الانقلابات العسكرية .. كما جرت العادة أن العنف بعد الانقلاب العسكري لا يطاق ويكون أكثر دموية وبوسائل غير شريفة بهدف كسر إرادة الشعب .. المحاكمات في الثورات تقوم عادة على أساس عادل لمحاسبة المتسببين عن جرائم العهد السابق .. وفي الانقلاب العسكري فالمحاكمات تقوم على تهم باطلة وتكون عنيفة وحاسمة بغية التخلص من الرموز والكفاءات .. العسكر لا تمكنهم قدراتهم الذهنية والنفسية من قيادة الأمة وتطويرها بقدر ما يدمرونها .. القيادات الإسلامية ( السياسية والتربوية والفكرية ) للثورات تلبي مطالب الشعوب وتحقق طموحاتها وتسعى لتطوير البلاد .. الانقلاب العسكري إذا كان ضمن وسائل الثورة المضادة يدخل البلاد في كارثة اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية وعزلة داخلية وخارجية وأنهار من الدم .. وحالة من التخلف التاريخي تؤدي إلى انهيار البنية الأساسية للدولة وفقدان لعقدها الاجتماعي .. وقد تتحول لعدة إمارات صغيرة متشاكسة .. في عصر تجاوز الانشقاقات والتفتت وتحول إلى تحالفات واتحادات ضخمة ..

السؤال الذي يطرح نفسه .. ماذا حدث في مصر قبل وبعد يوم الـ25 من يناير؟ .. وهذا ينقلنا مباشرة لسؤال آخر .. هل كان في الأفق مقدمات لثورة؟ .. فآثرت قيادة الدولة السياسية والأمنية افتعالها لإفشالها قبل نضجها .. كما حدث تماماً في انقلاب 23 يوليو 1952 من القرن الماضي .. أم أن قيادة الجيش هي التي أرادت أن تستفيد من مقدمات الثورة؛ منطلقة من مناخ العدوى لثورة تونس فافتعلتها لتحقق مأربها .. ثم تضخم الأمر عليهم جميعا وخرج عن السيطرة .. وما تم بعدها من دخول قيادة الجيش على الخط الثوري وفرض الوصاية عليه .. ثم العبث بها وبكوادرها .. وحماية مؤسسات الدولة العميقة من أن تمس .. والوصول لحالة من التيه الثوري .. والعبث بما اخترعوه هم من تلمود أسموه بالدستور .. والتلاعب بالشعب في انتخابات واستفتاءات .. وبتنزيه الفاسدين وشيطنة المخلصين .. كل هذا يجعلنا نتساءل ماذا حدث قبل وبعد الخامس والعشرين من يناير في كواليس الدولة؟!! .

إن كان هناك سببان رئيسيان للفشل الثوري في مصر:

فأولهما:عدم وجود وحدة فكرية تناسب الشعب المسلم ليجتمع تحتها وتشكل له مرجعية ثابتة يأوي إليها عند الخلاف .. فتزيد من تماسك صف الثوار .. فالواقع كان متاهة فكرية ضل الثوار في ثناياها ..

الثاني: فقدان الانتفاضة لقيادة تحركها وتنظمها .. وكان من المنطق أن تعمل الانتفاضة على إفراز قيادة حقيقة .. على القمة تواجد أبو إسماعيل كرمز أثار الكثير من الجدل وألهم الكثير من الثوار وأقلق الكثير من المتربصين .. وتواجد الإخوان كتنظيم يمكن القبول به مؤقتاً .. ومع ظهور حازم أبو إسماعيل من جيل الشباب الثوري كنموذج لإفراز الانتفاضة لقائد حقيقي .. لكن الرجل كان واضحاً بشكل أحرج الشركاء في الانتفاضة من أصدقائه الإسلاميين أو من الحلفاء العلمانيين .. فتحالف عليه الشريك والصديق والعدو .. فالتحالفات على الانتفاضة بين القوى الخارجية ومؤسسات الدولة العميقة والتيارات التي ركبت على الانتفاضة علمانية ولبرالية وإسلامية هزمته .. واليوم وقد عادت أجواء الثورة مرة أخرى فعليهم أن ينتبهوا فيسدوا هذه الثغرة العظيمة ..

من الأسباب الرئيسية أيضا هو عدم وجود برنامج لبناء الدولة فالشعب كان يريد .. إسقاط النظام .. ثم .. عيش حرية عدالة اجتماعية .. كيف .. برنامج إسلامي؟ أم برنامج لبرالي؟ أم برنامج اشتراكي؟ .. دخلت الانتفاضة في متاهة .. ومع التمايز الذي حدث قبل وبعد الانقلاب .. وارتماء اللبراليين والديمقراطيين والاشتراكيين والناصريين في حضن الانقلاب .. لم يبق للشعب إلا الله والعودة إليه والثقة به .. ثم في التيار الإسلامي ..

ولكن الوقت كان قد مضى لتأمين الانتفاضة .. كما أن المناخ لم يعد مناخ الانتفاضات السلمية .. أو حشد المتجمهرين في مدينة أو اثنين فقط .. لقد كان الحل الوحيد في هذه الحالة هو تفشي الاعتصام في كافة أنحاء الدولة .. والدعوة إلى عصيان مدني عام يعم الدولة كلها .. ولكن منصة رابعة تباطأت كثيراً في الأفكار الحركية وبالتالي في تنفيذها .. وانشغلت بالأجواء الإيمانية .. والمهرجانات الكلامية ..

من الأسباب الرئيسة أيضا التهاون مع مؤسسات الدولة العميقة وعلى رأسها القضاء الفاسد .. الذي أفسد التجربة الثورية بعبثه الدستوري في إسقاط مؤسسات الثورة المنتخبة .. والأسوأ من عبثه قبول القوى الثورية لقراراته بدلا من رفضها والقضاء عليه .. وتستر القضاء على كل عتل زنيم من بلطجية المخابرات الحربية ووزارة الداخلية وأمن الدولة .. وأفرج عنهم وقضى على المخلصين بالحبس .. والأنكى والأسوأ هو قبول الثوار لهذا بردود فعل مؤسفة .. وانقسامات مخزية ..

لقد كان الأولى عندما اكتشفوا حقيقة القضاء .. ولتلافي هذا الضرر الفادح كان على الثوار بناء قضائهم الشرعي المنبثق من موروثاتهم الإسلامية .. وإحراق القضاء الحالي ودستوره في مستوعبات محارق التاريخ ..

ومن الأسباب الرئيسية أيضا إهمال الحسم في العلاقات الخارجية .. وترك تحالف اليهود وحكام الكيان السعودي وصبيانه في الإمارات يتنافسون بأموال المسلمين في دعم النظام القديم .. وفتح قنوات لأبواق إعلامية فاسدة خلقاً وديناً للتحريض على الانقلاب .. والسينمائيين الذين سحروا أعين الناس .. بخدعهم وخداعهم وكلامهم المعسول ..

إن سيل الدماء التي امتلأت بها أفواه التحالف اليهودي وحاكم الرياض وصبيانه في الخليج .. دافعٌ عظيم يحرض الثوار على تصدير ثورتهم لإسقاط هؤلاء المجرمين .. لتحرير شعوبهم أولاً .. ولتقتص للدماء المسلمة الطاهرة ..

أما اليهود فيومهم قادم إن شاء الله لا محالة وأقسم على هذا .. كما أن عليهم أن يعاقبوا هذه الأبواق وهؤلاء السينمائيين بعنف وقسوة فأيديهم ملئى بالدماء الطاهرة وجيوبهم مليئة بالأموال النجسة .. وحكم هؤلاء وحكم كل من اصطف تحت راية السيسي أو دعمه بأي نوع من الدعم كان ولو بشق كلمة .. حكمهم حكم السيسي نفسه .. لا فرق بينهم .. وسواء كان من مصر أو جزيرة العرب أو غيرها من الأنظمة أو الجمعيات أو الهيئات أو المؤسسات أو الأفراد ..

ومن الأسباب الرئيسية أيضاً بقاء طبقة كبار الضباط على رأس الجيش بعد الثورة .. وهم طبقة لا تنتمي للشعب ولا تحمل همومه وطموحاته ولا تستشعر آلامه ولا آماله .. بل هم نتاج انتقاء والتقاط غربي لعناصر شاذة من الجيش قُدمت وربيت لخدمتهم .. وخدمة مصالحهم .. والشاهد أنهار الدم المنحدرة من رقبة الشعب المذبوح .. ولا دموع في عيون دنيا الديمقراطية ولا خجل من فعلهم .. فعلى الثوار أن يحاكموا هذه الطبقة أمام محكمتهم الثورية الشرعية وعقابهم بلا استئناف أو نقض .. فالشعب لم ير منهم إلا الويلات والخيانة ورداءة الأخلاق ..

آمل أن التهاب الثورة الحالي ضد الانقلاب يستفيد من هذا الدرس: وأن يلتف حول قيادة مخلصة .. وأن ينتبه للعبث الذي أدخله فيه دعاة العلمانية واللبرالية وحواة السياسة من أمثال البرادعي ومخلفات ديمقراطية مبارك وأحزابها الكرتونية وتلون حمدين وموسى .. وأن يقطع ألسنة الأبواق الإعلامية التي أفسدت وحدته .. وعلى جموع الشعب المسلم أن تزيل مؤسسات[5] الدولة العميقة وتقضي على الرتب الكبرى في الجيش فولاؤها لأعداء الأمة ..

كان ينـ25ـاير انطلاقة لتحرر الشعب من كثير من المعتقدات والأوهام .. وكسرت العديد من القيود والمحظورات التي جعلت لعقله سقفاً لا يتجاوزه .. وأسقطت هيبة النظام وهالته من قلبها وعقلها .. وأزاحت الخوف من نفوس المصريين وغيرهم وأعادت لهم مشاعر الإحساس بآدميتهم .. ووضعت التيار الإسلامي أمام حقيقة تخاذله السابق عن نصرة المجاهدين أو الوقوف في وجه الطاغية هؤلاء الذين أسروا أنفسهم في مصلحة الدعوة وتيه الفتنة وما خرجوا منه!! .. على أمل أن ينبغ جيل جديد ..

ورغم كل الارتدادات الحالية منذ الثالث من يوليو إلا أن الشعب عرف دروب النجاح وعرف أسباب الفشل .. وقادم الأيام إن شاء الله له لا عليه .. ومهما أثقله الأعداء بنكبات ومآسي فالشعب إن صمد وصبر في تقديم التضحيات .. واتبع سبيل المؤمنين .. إن شاء الله وفقه الله ليحقق طموحه .. “بإسقاط الانقلاب وتحرير البلاد من التبعية الغربية .. ولبناء نظام على أساس توجيهات رب السماوات والأرض في الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. أي نظام رأسمالي تكافلي مع حكم إسلامي حقيقي” ..

بـيَّن انقلاب الثالث من يوليو حقيقة بعض الشرائح المنتسبة زوراً وبهتاناً للتيار الإسلامي أولاً والأمة ثانياً .. فهم ممن اصطفوا تحت راية السيسي .. وتحالفوا معهم على الإسلام أولاً .. وهم من العدو فاحذروهم .. تيار سلفية ” رجل المباحث ياسر برهامي”، وتيار المداخلة .. فضحهم الله أجمعين .. ولن ينالوا من السيسي خيراً في الدنياً .. وإن شاء الله في الآخرة لهم من الله ما يستحقون ..

أضاف انقلاب الثالث من يوليو نتائج مهمة أيضاً .. تعرف الشعب على حقيقة العسكر الذين نهبوه وسخروه طوال 60 سنة .. فأدرك على من تكون انتفاضته القادمة .. انتبه لأخطائه في 25 يناير ولن يكررها إن شاء الله .. تعلم من أسلوب الانقلابيين كيف يسيطر على مفاصل الدولة .. وهي دروس ما كان ليفهمها كما بينتها التجربة العملية .. خاصة أنه دفع ثمن هذا الدرس أنهاراً من دمه ..

أوجد خطف الرئيس محمد مرسي أرضية تحالف قوية بين الشعب والتيار الإسلامي .. كما فعَّل نوع تآلف بين شرائح التيار الإسلامي لمواجهة هذا الصائل الذي لن يترك أي منهم ..

هذا التفاعل والتمازج إن كتب له التوفيق آمل أن يكون مدخلاً لحالة من التوافق بين شرائح التيار الإسلامي تعالج فيه مسائل ورؤى التغيير المتباينة .. فالمناخ الثوري الجهادي أكثر صحة وحركة من مناخ السجن والأسر .. والله الموفق.

ولا أنسى قبل مغادرة المقالة أن أشير في هذه العجالة لدور القوى الدولية[6] في الصراع مع الشعب والدين ونظرتهم لهما كجسم واحد هو المسلمون .. فالحروب الحالية التي تشنها علينا أمريكا وإسرائيل وحلف الناتو .. والحروب المستقبلية التي تلوح في الأفق .. تتعرض شعوبنا فيها لحملة إبادة حقيقية .. بوتيرة متفاوتة من مكان إلى آخر .. ومن وقت إلى آخر .. لكنها حملة ماضية بكل عزم في طريقها .. إن مسئولية الدفاع عن الأمة تقع على الأمة نفسها .. وعلى أبنائها من المطاريد .. لأن الأنظمة والحكومات القائمة  كما بات معلوماً للجميع هي طليعة لقوات الغزو الغربي علينا .. وجيوشها هي يده الممدودة إلينا بالبطش والتنكيل المبكر .. لتحطيم مقاومتنا وتكبيلنا أمام الهجوم حتى يفرضوا علينا الهزيمة والاستسلام.

هذه الأنظمة يجب إقصاؤها بأي وسيلة ممكنة .. ومحاكمة مسؤوليها على جرائمهم في حق الدين أولاً لأنه المرجعية التي ما تحركوا إلا لنزعها من قلوب الناس .. وثانياً الشعب .. الذي مصوا دماءه بجرائم الفساد والسرقة والقتل .. والتعاون مع العدو الأجنبي .. وخيانة الشعب والدين والوطن .. والإفساد المتعمد للبلاد والأخلاق والبيئة والاقتصاد والتعليم والصحة العامة .. ثم الدفاع والأمن اللذان تحولا إلى خدمة أعداءنا في الخارج وليس حماية الوطن والدفاع عنه.

على مصر حتى تتحرر ويكون قرارها بيد أبنائها وفق بناء تغييري متكامل أن تعد نفسها للقيام بثورة تشمل ثلاث ميادين .. الميدان الأول على الدولة العميقة وانقلابها .. والثاني على التدخل الإقليمي .. والثالث على التدخل العالمي .. فإذا وفقت فيهم فهي مضطرة لأن تخوض حربين مفروضتين لا خيار لها .. استكمالاً للثورات أو تطويراً لها .. فالأولى على التدخل الإقليمي.. والثانية على التدخل العالمي .. ولن أجادل في نوع أو أسلوب أو وسائل الحرب أو الثورات .. فنوعها ينبع منا .. ومن إصرار العدو على إبادتنا .. والعمل الثوري أو الحربي هو علم وفن وموهبة .. وهما سياسة واقتصاد وقتال .. المهم كيف؟ وأين؟ ومتى؟ وضد من؟ .. وتفسير هذه الفقرة سيكون إن شاء الله في مقال آخر ..

ولا يفوتني أن ألخص المقال في ثلاث جمل فقط: لا يمكن تصور حدوث تغيير أو تحول ( إسلامي ) للنظام دون ثورة مسلحة.. ولا يوجد احتمال لاستسلام النظام دون مقاومة مسلحة .. كما لا يوجد احتمال أن يُهزم النظام دون اللجوء إلى الحرب المضادة للثورة ..

***

انتهينا في هذه المقالة السريعة من التعريف بالثورة .. قبل دقائق من إخراج مبارك من سجن طره .. المقال القادم إن شاء الله في الانتفاضة الشعبية  .. والذي يليه في الثورة المضادة .. وأخيراً حرب العصابات

عابر سبيل

محمد صلاح الدين زيدان

14 شوال 1434هـ

 22 أغسطس 2013م

[1] علق صاحب كتاب لعبة الأمم على جمال عبد الناصر بقوله: لقد نجحنا في صناعة الزعيم الذي يُهزم ويتمسك به شعبه .. وحث على أن يتم إشاعة النموذج الناصري في الدول العربية ..

[2]  يحرص الثوار والعصابات على إطالة الوقت .. ولكن في الثورة عادة ما تستمر مرحلة البناء والتشرب بالأفكار وممارسة العمل الثوري والقيام بالتغيير قرابة السنتين لتخلق جمهوراً كبيراً من المؤيدين .. أما العصابات فقد تمتد لعقود من الزمن .. ليتفتت النظام وتبني العصابات قوتها .. فمثلاً الصين ( 27 سنة ) وأفغانستان ضد الروس (14 عام ) .. ومازال الصراع ضد الأمريكان مستمراً ..

[3] من باب الثقافة الثورية يجب القراءة في كتب التاريخ السياسي والعسكري خاصة المتعلق بالثورات والانتفاضات وتجارب العصابات .. وما تخطه يد المؤرخين المعاصرين للأحداث أو مذكرات قادة أجهزة المخابرات .. من هذه الكتب: كتابات ورسائل جيفارا ..حرب المستضعفين .. حرب المطاريد .. تحربة ماو تسي تونج .. الحرب الثورية لبوفر .. التجربة السورية .. تجربة عمر المختار في ليبيا .. وتجارب المهدي في السودان والإمام شامل وعبد القادر الجزائري وعبد الكريم خطابي وعز الدين القسام .. الموسوعة العسكرية للمؤسسة العربية .. موسوعة الجهاد الأفغاني .. (ثورة يوليو الأمريكية ) لمحمد جلال كشك .. كتاب ( لعبة الأمم ) لمايلز كوبلاند .. والحذر من بعض كتاب الأنظمة ممن على شاكلة هيكل ..

[4]  هذا تحليل سياسي عن تجربة واقعية وبالتالي حينما يأتي ذكر الديمقراطية أو الدستور أو الانتخابات أو غيره فهذا لا يعبر عن قناعات كاتب المقال بها ..

[5]استفاد المنظرون من ( كومونة باريس 1871م ) على أن الشرط الأول لنجاح أي ثورة شعبية هو “عدم نقل الآلة البيروقراطية والعسكرية من يد لأخرى بل تحطيمها” .. ولا شك أن الانتفاضة المصرية أهملت تماما الدروس المستفادة من كومونة باريس .. للأسف فالثوار لم يبقوا على مؤسسات الدولة العميقة فحسب بل سلموا لها القياد والتزموا بأحكامها القضائية التي حرمتهم كل مكتسباتهم ..

[6]من كتاب حرب المطاريد المهندس مصطفى حامد ..

Download | التحميل